وفي هذه الوقائع الثلاث، كان للقرائن أثرها في الحكم، ففي الأوليين درأت كل عقاب، وفي الثالثة درأت الحد وقضت بالتعزير.
وكذلك تكون القرائن المؤثرة في تكييف الحكم في الجريمة ذات الصلة بالمجتمع، أو التي توصف بأن فيها حق الله، فعند انتفاء المساس الاختياري بحق الله وبمصلحة المجتمع، ترتفع عقوبة الحدود، ولا تستبدل بأي عقوبة أخرى، أما عند ثبوت شبهة الاختيار مع انتفاء شبهة العلم، وهي مصدر القصد إلى المساس بحق لله ومصلحة المجتمع، فإن عقوبة الحدود ترتفع، لكن تستبدل بعقوبة التعزير.
ومدار جميع هذه الأحوال على فعالية القرينة عند ثبوتها ورجحانها عن كل دليل سواها، أو انتفاء الأدلة غيرها.
ويشبه أن يكون هذا الاعتبار مستند الثوري في ما روى عبد الرزاق (١) قال: عن الثوري في التي تقول: غصبت نفسي، يدرأ عنها الحد وإن كان حمل.
إذا اعتمد دعوى الاغتصاب مع وجود الحمل دون أن يوجب على المدعية الإدلاء بحجة أنها اغتصبت بناء على الغالب من أن المرأة التي تقر بالاغتصاب، لا يكون إقرارها به ابتغاء النجاة بنفسها من عقوبة فاحشة اقترفتها، فظهر أثرها عليها، مع أن هذا الاحتمال وارد ورودا قويا، إلا أنه يدفع بقرينة وقوع ما ادعي اغتصابا في مجتمع إسلامي سليم فضلا عن قاعدة درء الحدود بالشبهات.
وقريب من هذه الوقائع، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في درء الحد عن المستكرهة، وما روي عن عمر في درء الحد عن المضطرة درءا كاملا، وفي استبداله بالتعزير.