أما السنة النبوية فهي المصدر الحق للعمل بالقرائن أما حين تنعدم البينة، أو حين تتعارض البينتان أو البينات، فيتعين ترجيح إحداها، ولعل أهم قضية تتمثل فيها القرينة وسيلة استدلال مما ورد في السنة النبوية واضطرب فيه الناس اضطرابا شديدا، قضية الحمل المشبوه.
والمستند المستفيض الذي اعتمده طائفة من الفقهاء وتأوله آخرون، واختلف هؤلاء وأولئك اختلافا شديدا في الاستدلال به، والاستنباط منه، قول عمر - رضي الله عنه- في خطبته المشهورة (١) : (الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن، إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف) .
وقد اعتبرنا هذا القول من أدلة السنة، أنه ورد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطاب عمر، وكان يؤكد فيه أن مجموع ما قاله مستمد من الكتاب والسنة، وليس في كتاب الله رجم، وإن جاء في خطاب عمر أن آية الرجم كانت مقروءة في كتاب الله ثم نسخ لفظها وبقي معناها، ولنا من ادعاء عمر هذا الموقف ليس هذا مجاله، إنما الذي يعنينا هنا من خطابه -رضي الله عنه- جملة (إذا قام الحمل) فالذين اعتمدوا هذه الجملة واعتبروا الحمل بينة، وفرعوا عنها أحكاما لم يحاولوا التوفيق بينها وبين ما ورد عن عمر نفسه من تصرفات مع حوامل، لو طبق عليهن هذه الجملة التي اعتمدها جمهرة من الفقهاء كما لو كانت منفصلة عن أي دليل آخر، لكان تصرفه معهن إقامة الحد عليهن، لكنه لم يفعل ذلك، فوضح من تصرفه أن الحمل ليس في ذاته بينة قاطعة إلا إن برئ من كل شبهة، وأحاطت به القرائن والأدلة على إنه نتيجة الإقدام الاختياري على الفاحشة وممارستها ممارسة كاملة، أما إذا كان وقع في ظروف وملابسات لم تجتمع فيه المواصفات التي ألمعنا إليها آنفا فهو ليس بينة ولا قرينة، وفيما يلي طائفة مما ورد عن عمر في ذلك.
(١) هذا لفظ مالك في الموطأ، برواية الزهري، ج: ٢، ك: الحدود، ص: ٢٠، الأثر: ١٧٦٥- ومحمد بن الحسن الشيباني، ك: الحدود في الزنا، ب (١) الرجم، ص: ٢٤١، الأثر: ٦٩٢- والليثي، ج: ٢، ك (٢٧) الحدود، ب (١) ما جاء في الرجم، ص: ٣٨٤، الأثر: ٢٣٨١- أما في رواية الليثي (الحبل) بالباء الموحدة من تحت بدل (الحمل) بالميم. وقد أخرج منها بعض هؤلاء وغيرهم أطرافا ليست من شأننا في هذا المجال، فلم نر ما يدعو إلى الإحالة عليها.