للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والظاهر أن مجال رسالة يعقوب – عليه السلام – لم يكن يشملها، وإنما كان منحصراً في بني إسرائيل أو في إبراهيم، لأن الأسر التي حكمت مصر في ذلك العهد ومن قبله كانت وثنية، وليس في التاريخ ما يدل على أنها واجهت تشريعاً إلهياً بالقبول أو الرفض، وإنما المواجهة ابتدأت من عهد يوسف، وهو يدل على أن رسالة يوسف كانت أوسع مجالاً من رسالة يعقوب.

مهما يكن، فإن تلك الشهادة وما نتج عنها من تبرئة يوسف – عليه السلام – ليست مما يشمله القول بـ (أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه) وهو ما يقول به الجمهور وهو الحق.

وأما استدلال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه وتعالى في سورة الحجر: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} فإنما ينحصر في التعبير بالمتوسمين باعتبار التوسم قد يهدي إلى الحقيقة، وليس باعتباره تشريعاً من الله للاهتداء إليها، لأن موضوع الآية لا علاقة له بالقيافة، ولا بالفراسة، فالضمير في قوله تعالي: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} معاده مجموع قصة إبراهيم وضيفه، وبشارتهم له، ثم إخبارهم إياه بما أرسلوا به إلى لوط، ثم أدائهم الرسالة إليه، ثم ما وقع بعد ذلك لقوم لوط من ألوان العذاب، وما بقي من آثارهم وآثار ما وقع لهم شاهداً، خالداً للاعتبار، والتعبير (لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) أريد به - والله أعلم بأسرار كتبه – التنبيه إلى أن تلك الآيات في مجموعها وجميعها إنما يحسن تدبرها والاعتبار بها من أوتي القدرة على اكتشاف الحقائق والعبر من الآثار والعلامات، ولعل هذا المعنى من بعض ما وجه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة والذين من بعده حين استشهد بهذه الآية الكريمة، في موضوع القيافة، فهو تنبيه إلى صحة الاستدلال بها حين تصدق، لا إلى شرعيته.

<<  <  ج: ص:  >  >>