واستمر الأمر على هذا المنوال إلى ما بعد إبراهيم- عليه السلام- ففي شريعة شعيب -عليه السلام- نشأت معالم وضوابط لبعض جوانب من المعاملات التجارية والمالية، ثم جاءت شريعة موسى لتشمل جوانب أخرى مما نسميه في هذا العصر بـ (شرائع المعاملات وشرائع الأحوال الشخصية) ، أما شريعة إبراهيم نفسه فقد ظلت منحصرة في التأكيد على إثبات وحدانية الله والدعوة إلى توحيده والزجر عن عبادة الأوثان والنجوم، وغير ذلك مما كان يتخذ آلهة أو شركاء لله.
ونكاد نجزم بأن رسالة يوسف لم تخرج عن هذا النطاق، بل لعلها انحصرت في تأكيد هذه المعاني والتذكير بها، والعمل على نشرها في مصر الذي كان يسود فيها يومئذ تأليه الأشخاص، تأليها مطلقا، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}(١) وهذا يبين أنه لم تكن في زمن يوسف في مصر ولا في غيرها، شريعة إلهية تبين ضوابط ومعالم التعامل بين الناس في معايشتهم أو أعمالهم أو منازعاتهم، وإنما كان ذلك موكولا إلى ما صنعوه بأنفسهم من أعراف أو تشريعات.
فالزمن والظرف الذي كانت فيه شهادة الشاهد من أهل امرأة العزيز، وثبوت براءة يوسف من اتهامها له بأن {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ}(٢) برهانان على أن ما جرى يومئذ كان اعتماداً على العرف أو التشريع الوضعي الذي كان سائداً في عهد الهكسوس (٣) وهو العهد الذي وقعت فيه قصة يوسف، وفي ذلك العهد لم يكن يسود في مصر شرع إلهي. (٤) .
(١) القصص: ٣٨. (٢) يوسف: ٢٧. (٣) ويطلق عليهم، الرعاة، لكن شكك البعض في قصة ترجمة كلمة الهكسوس بالرعاة، ورجح أن ترجمتها الدقيقة (ملوك الأقاليم) ويقال أنهم عرب أو عماليق، انظر محمد الطاهر بن عاشور- التحرير والتنوير، ج: ١٢، ص: ٢٨٠. (٤) انظر ول ديورنت، قصة الحضارة، م: ١، ج:٢، ص: ٧٢- ٧٦، وص: ٣٨٦.