للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد بينت الوقائع العديدة أن عليا - رضي الله عنه- وهب من التوسم والفراسة ما قل أن وهب غيره مثله، وكان لذلك يقضي، وعمر -رضي الله عنه- حاضر، وربما نقض قضاء عمر فلا ينكر عليه عمر ولا أحد من الصحابة، أليس هذا تسليم بأنه أقضاهم.

على أنه ليس في الحديث تفضيل بعض الصحابة على بعض كما يوهم كلام ابن تيمية، وإنما هو تمييز مواهب كل واحد منهم عن مواهب الآخر، وبيان للخصائص التي أكرمهم الله بها، بيانا قد يكون فيه بعض الإيحاء إلى ما ينبغي أن يضطلع به كل واحد منهم من مهام ومسؤولية المجتمع الإسلامي الناشيء، وأن يصار به إلى كل واحد منهم عند الحاجة، وأن يرجح به رأي كل واحد منهم إن اختلف مع صاحب له أو معهم جميعا في ما هو من اختصاصه، وقد أشار لذلك ابن عبد البر -رحمه الله- (١) فقال: فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه بفضائل خص كل واحد منهم بفضيلة وسمة بها، وذكره فيها، ولم يأت عنه- عليه السلام- أنه فضل منهم واحد على صاحبه بعينه من وجه يصح، ولكنه ذكر من فضائلهم ما يستدل به على مواضعهم ومنازلهم من الفضل والدين والعلم، وكان صلى الله عليه وسلم أحلم وأكرم معاشرة، وأعلم بمحاسن الأخلاق، من أن يواجه فاضلا منهم بأن غيره أفضل منه، فيجد من ذلك في نفسه، بل فضل السابقين منهم وأهل الاختصاص به على من لم ينل منازلهم، فقال لهم: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))


(١) الاستيعاب، ج: ١، ص: (١٨) .

<<  <  ج: ص:  >  >>