فالحديث يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سُرَّ إلا بسبب حق، وهو المطلوب، ويؤيده أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة في الحديث:((تربت يداك، ومن أين يكون الشبه)) فأخبر أن المني يوجب الشبه، فيكون دليل النسب.
ثم ساق أدلة أخرى على القيافة باعتبارها قرينة يعتمدها القاضي، قد نسوق بعضاً منها في ما بعد.
ولأبي هلال العسكري كلام غاية في الروعة والدقة والضبط والتحديد، لم نقف على مثله عند غيره، إذ قال (١) : (الفرق) بين الدلالة والدليل، أن الدلالة تكون على أربعة أوجه:
أحدها: ما يمكن أن يستدل به، قصد فاعله أو لم يقصد، والشاهد أن أفعال البهائم تدل على حدثها، وليس لها قصد إلى ذلك، والأفعال المحكّمة دلالة على علم فاعلها، وإن لم يقصد فاعلها أن تكون دلالة على ذلك. ومن جعل قصد فاعل الدلالة شرطاً فيها، احتج بأن اللص يستدل بأثره عليه، ولا يكون أثره دلالة، لأنه لم يقصد ذلك، فلو وُصف بأنه دلالة، لوصف هو بأنه دال على نفسه. وليس هذا بشيء، لأنه ليس بمنكر في اللغة أن يسمى أثره دلالة عليه، ولا أن يوصف هو بأنه دال على نفسه، بل ذلك جائز في اللغة، معروف، يقال: قد دل الهارب على نفسه بركوبه الرمل. ويقال: اسلك الحَزْن، لأنه لا يدل على نفسك. ويقولون: استدللنا عليه بأثره، وليس له أن يحمل هذا على المجاز دون الحقيقة إلا بدليل، ولا دليل.