وأما ما يرجع إلى الجهل فيتنوع؛ فمنه الجهل بجنس المبيع كقوله: بعتك في كمي (أو في يدي) ، أو ما في صندوقي، ومنه ما يرجع إلى الجهل بصفاته كقوله: بعتك ثوبًا في بيتي، أو فرسًا في اصطبلي، ومنه الجهل بالثمن في جنسه أو مقدراه أو أجله، مثل أن يقول بعتك بما يخرج به سعر اليوم، أو بما يبيع به فلان متاعه، أو بما يحكم به زيد. ومنه البيعتان في بيعة وهو قوله: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا، أو بخمسة عشر إلى أجل، على أنه قد وجب بأحد الثمنين، ومنه بيع اللحم في جلده، والحنطة في تبنها، ومنه شرط الخيار الممتد والأجل المجهول نحو قدوم زيد، وموت فلان وما أشبه ذلك.
وأما الخطر فبيع ما لا ترجى سلامته كالمريض في السياق، وما لا يدرى أيسلم أو يتلف، ولا ظاهر، ولا أمارة تغلب على الظن معه سلامه كبيع الثمر قبل بدو صلاحها، وأما القمار فكبيع الملامسة وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه وإن لم يتبينه، وبيع المنابذة، وهو أن ينبذ أحدهما ثوبه إلى الآخر فيلزمه الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك. ومنه بيع الحصاة، وصفته أن تكون بيده حصاة فيقول: إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع، وقيل: تكون ثياب عدة فيقول: على أيها سقطت الحصاة فقد وجب. ومن المزابنة – وقد ذكرناها – فهذه كلها بيوع الجاهلية، وكثير منها يتداخل فيجمعه الجهل وتعذر التسليم كالآبق والشارد، فإن انضم إلى ذلك جهل الثمن الأول الأجل تأكد الغرر لكثرة أسبابه " (١) .
لدى تطبيق هذه القاعدة الفقهية للغرر على عقد التوريد في صيغته الجائزة (البيع على الصفة) من خلال عرض عناصره يتجلى التالي:
١ - ما يرجع إلى تعذر التسليم:
من ضروريات عقد التوريد اطمئنان المشتري من قدرة البائع على تسليم المبيع في الوقت المحدد، وحرصه على التأكد من ذلك، وأخذ ضمانات قد تكون مالية أحيانًا للوفاء بالعقد كالعربون أو التأمين.
أما البائع في مقابل الضمانات المالية والقانونية التي يضعها المشتري عليه فإنها تملي عليه أن يبرم العقد ويوقعه متأكدا من إنجازه، وتسمح إمكاناته المادية به، وبهذا ينتفي هذا العنصر منه، يبلغ الأمر أحيانًا بالمشتري في العقود التجارية الحديثة أن يضع شرطًا جزائيًّا وغرامة مالية في حالة تخلف البائع (المستورد) عن التسليم في الموعد المحدد.
(١) البغدادي، القاضي عبد الوهاب، التلقين، ص ١١٢ – ١١٣؛ انظر تعريف الغرر عند الحنفية، ص ٣٦٠ من هذا البحث.