٢- ما يرجع إلى الجهل بجنس المبيع، أو صفته، أو الجهل بالثمن في جنسه ومقداره، او شرط الخيار الممتد والأجل المجهول:
مثل هذا لا يجري في عقود التوريد بحال، بل كان من المتعاقدين حريص أن يحدد مسؤولية الآخر وبيان جنس المبيع، وموعد استلامه، وكذلك المشتري حريص كل الحرص أن يبين جنس المبيع وصفته ومقداره وموعد استلامه دون تأجيل، أو مماطلة من البائع، فمن ثم يضع للتحقق من تنفيذ كل ذلك شروطًا جزائية، وعقوبات مالية مرهقة في غالب الأحيان (١)
٣- الخطر ببيع مالا ترجى سلامته:
إن التاجر في الوقت الحاضر بائعًا أو مشتريًّا، مصدرًا، أو موردًا لا يقدم على إبرام عقد التوريد أو غيره ما لم يكن متأكدا من سلامة وصول البضاعة، وتأمين تسليمها إلى أصحابها.
يعطي التجار في بلاد العالم الاعتبار الأول والأهم لضمان وصول بضائعهم سليمة إلى أيدي المشترين، بل أضحى من غير الممكن في الوقت الحاضر أن يتم عقد توريد من دون تأمين يضمن سلامة وصول السلع إلى أصحابها.
أصبح أمن التجارة الدولية والمحلية وسلامة انتقالها من بلد إلى آخر هاجس الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية، وعنصرًا مهمًا فيها، أسست من أجلها شركات التأمين , وجندت الدول لحمايتها إمكاناتها المادية والبشرية، ووضعت لها الأنظمة والقوانين في السلم والحرب.
وفي جميع الظروف والحالات يتحرى التاجر في عقد التوريد وغيره اتخاذ كافة الإجراءات لسلامة وصول السلعة إلى صاحبها قدر الجهد والإمكان كما هو الواقع المشاهد في العقود، وسير التجارة في معظم أجزاء العالم.
بانتفاء عناصر الغرر السابقة ينتفي مانع إباحة عقد التوريد، ولو فرضنا – جدلًا – وجود غرر يسير فإنه مما يتسامح فيه، ولا يؤثر على صحة العقد، ولو قيل بغير ذلك لأصاب الأمة حرج ومشقة تنأى عنه الشريعة السمحة.
تأكيدًا لما سبق من وجود المقتضى وانتفاء المانع في عقد التوريد وتأييدًا لصحته يقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: " والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها الحاجة راجحة أبيح المحرم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية. . . فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم، ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب، أو فعل محرم لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد " (٢) .
(١) انظر لمعرفة الشرط الجزائي: أبو سليمان، عبد الوهاب، فقه الضرورة وتطبيقاته المعاصرة، الطبعة الأولى، جدة: البنك الإسلامي للتنمية، معهد البحوث والتدريب، عام ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، ص ١٤٢.
(٢) القواعد النورانية، الطبعة الأولى، مصر: مطبعة السنة المحمدية، عام ١٣٧٠هـ- ١٩٥١م، ص ١٣٣ – ١٤٣.