للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالصناعات الاستخراجية تستخرج من الأرض الأتربة والصخور والسوائل الحاملة للمعادن، وتقوم بفصل المعدن منها عن الشوائب لتقوم ببيعه لأصحاب الصناعات الأخرى، وهي في عملها هذا تحتاج إلى آلات ومواد كثيرة إضافة إلى الأيدي العاملة.

وهي تقوم بعملياتها الإنتاجية حسب برنامج عمل، لابد له من تنسيق وتوافق بحيث تصلها الآلة، أو السلعة في الوقت المناسب، من أجل ذلك لابد لها من إجراء عقود توريد مع منتجي، أو بائعي الآلات والمواد، التي تحتاجها حتى تطمئن إلى وصولها في الوقت المناسب. وكذلك لابد لها من التعاقد المسبق مع اليد العاملة التي تحتاج إليها بحيث تبدأ عملها في الوقت المطلوب تمامًا. يضاف إلى ذلك أن ظروف السوق من منافسة ورغبة في ضغط للنفقات، ومفاهيم الربحية والسعي لها والكفاءة في الإنتاج، والظروف المادية للنقل والتخزين، كل ذلك يستدعي الارتباط بعقود توريد تتعلق بإنتاجها، بحيث يكون لديها برنامج تسليم للمنتوج معروف لديها مسبقًا، ومن جهة أخرى فإن هذه الحاجات؛ بل الضرورات التي تضطر الصانع للارتباط بعقود توريد للأشياء وعقود إجارة مستقبلية للعاملين، لها انعكاسات مالية تتعلق ببرنامج إيراداتها المالية ومصروفاته، وتقتضي مبادئ الكفاءة وتعظيم الربحية أن يعمد الصانع إلى ترتيب مصروفاته مع إيراداته بحيث يدفع نفقاته من الإيرادات دون تعطيل أو تجميد للمال، ودون الحاجة إلى اللجوء إلى التمويل الخارجي إلا إذا كان أقل كلفة من التمويل الذاتي، والصانع عندما يلجأ للتمويل يفاضل بين مصادره وأدواته ويختار الأقل كلفة فيما بينها. فحاجات الصناعات الاستخراجية لعقود التوريد ولعقود الإجارة المستقبلية هي حاجات حقيقية من دون تلبيتها لا تستطيع الصناعة أن تعمل بكفاءة، وبالتالي تخرجها المنافسة من السوق، أي أنها تخسر أموالها، فضلًا عن أن في العمل دون مستوى الكفاءة الأعلى خسارة للأفراد وللمجتمع وإضاعة لموارده النادرة.

وهذه الحاجات ليست حاجات تمويلية، بل هي حاجات مادية مباشرة تقوم عليها الصناعة الاستخراجية.

ومثل الصناعة الاستخراجية الصناعات الوسيطة التي تنتج مواد وآلات تستعمل في صناعات أخرى، وكذلك الصناعات التحويلية بكل أنواعها. كل ذلك يضطر إلى الدخول في عقود توريد للحصول على الآلات والمواد الداخلة في الإنتاج ولتسويق المنتجات التي تقوم بصناعتها.

والزراعة أيضًا قد وصلت إليها الثورة الصناعية وصيغ العلاقات الاقتصادية الجديدة التي نشأت عنها. فصارت تقوم على الآلات والمدخلات الزراعية الكثيرة والوقود. وكل ذلك يحتاج إلى عقود توريد تحدد مواعيد استلامها ودخولها في عملية الإنتاج. وكذلك فإن الزراعة المعاصرة صارت تحتاج إلى التعاقد على بيع محاصيلها على طريقة عقد التوريد، لأنه لابد في الزراعة أيضًا من تخطيط للمبيعات حتى يتمكن الزارع من تحقيق الكفاءة في استخدام أمواله وموجوداته ويعظم ربحه.

ومثل الصناعة والزراعة سائر القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، فالتعليم يحتاج إلى المباني والأجهزة والمخابر، كما يحتاج إلى التعاقد مع المعلمين والموظفين كل ذلك يقوم على عقود التوريد بالنسبة للسلع والمواد والإجارة المستقبلية بالنسبة لليد العاملة. والمستشفيات والخدمات الصحية مثل ذلك، ومثلها أيضًا قطاع النقل والمواصلات والاتصالات والفنادق، حتى الإدارة الحكومية نفسها تحتاج إلى حاجات كثيرة أساسية إلى عقود التوريد بعد دخول الآلة والمواد المصنوعة في الإدارة الحكومية إلى حدود بعيدة. هذا إلى جانب المشاريع الإنمائية والإنشائية التي هي أكثر اعتمادًا في العادة على عقود التوريد (١) .

* * *


(١) عقد التوريد، دراسة اقتصادية مقدمة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، ص ١٠ – ١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>