وهذا بدوره يؤثر تأثيرًا مباشرًا على لزوم العقد وتمامه، ذلك أن العقد في هذه الفترة (فترة الخيار) يظل مترددًا بين أن يكون العقد عقد بيع في حالة سلامة المبيع، وتوافر الصفات المشروطة فيه، أو سلفًا إذا تبين عدمها، ولا يعلم هذا إلا عند حضور المبيع، كل هذه الاحتمالات والتوقعات تجعل نقد الثمن من عدم معرفة واقع المبيع من سلامة وعدمها نوعًا من الغرر، وهو ممنوع منهي عنه شرعًا، نصوا على هذه العلة والأحكام في العبارة التالية:
" ولم يجز النقد فيه [بعيد الغيبة] لغلبة الغرر فيه من تغيير، أو هلاك فيصير النقد فيه تارة ثمنًا، وتارة سلفًا وكذلك النقد فيما بيع على خيار، أو مواضعة إلا أن يتطوع، فالنقد بعد العقد في ذلك كله يجوز. . . "(١) .
يستثنى المالكية مما تقدم إذا كان المبيع الغائب عقارًا فإنهم يجيزون دفع النقد بشرط، ويكون البيع لازمًا إذا بيع جزافًا، وأن يكون وصف المبيع من غير بائعه، وأما إذا بيع مزارعة لم يجز النقد فيه إذا كان البائع هو الواصف له، وأما إن كان غيره فالنقد جائز، معللين لهذا الاستثناء بعدم سرعة تغير العقار، أما عن الشرط الثاني، ففي الموازية والعتبية:" لا يجوز أن يباع الشيء بوصف بائعه؛ لأنه لا يوثق بوصفه؛ إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لإنفاق سلعته، جرى النص على هذا في المعتمد من المذهب بقولهم: وجاز النقد ٠ مع الشرط في العقار المبيع على اللزوم بوصف غير البائع، وإن بعد؛ لأنه مأمون لا يسرع إليه التغير بخلاف غيره، وأما بوصف البائع فلا يجوز النقد فيه ولو تطوعًا لتردده بين السلفية والثمن، ولابد من ذكر ذرع الدار في وصفها فقط دون وصف غيرها من الأرض البيضاء.. . . "(٢) .
ثالثًا – الضمان:
خص المالكية العقار الغائب المباع على الصفة بأحكام تختلف عما سواه، ذلك أن العقار لا يخاف سرعة تغيره مما يجعل العقد فيه لازمًا منذ إبرامه، فمن ثم يدخل في ضمان المشتري حال تمام العقد إذا عرفت سلامته وقت عقد الصفقة.
أما غير العقار فهو من ضمان البائع حتى يتسلمه المشتري خاليًّا من النقص والعيوب، ولا يكون من ضمانه إلا إذا شرطه البائع عليه أثناء العقد، نص على هذا العلامة خليل بن إسحاق وأقره عليه علماء المذهب كما جاء في شرح الزرقاني بقوله:" (وضمنه) أي العقار المبيع غائبًا جزافًا، وأدركته الصفقة سليمًا (المشتري) أي دخل في ضمانه بمجرد العقد، بيع بشرط النقد أم لا، سواء اشترط الضمان على البائع أم لا، كما هو ظاهر الموازية. . . (وضمنه) غير العقار بيع بشرط النقد أم لا (بائع إلا لشرط) من بائع غير العقار أن ضمانه على المشتري فلا يضمنه البائع. . . "(٣) .
(١) المواق، التاج والإكليل لمختصر خليل: ٤ / ٢٩٩. (٢) الزرقاني، شرح الزرقاني على مختصر خليل: ٥ / ٣٩؛ وانظر: لبعض التفاصيل في العقار: الحطاب، مواهب الجليل: ٤ / ٢٩٩؛ الدردير؛ سيد أحمد، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: ٣ / ٢٧ – ٢٨. (٣) الزرقاني، شرح على مختصر سيدي خليل: ٥ / ٤٠.