للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جـ- إن اشتراط الشروط التي لا تخالف نصاً من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو الإجماع ليس هناك دليل صريح مقبول يمنع ذلك، فقد فصلنا القول في رسالتنا الدكتوراه ووصلنا إلى أن الأصل في ذلك الإباحة وليس الحظر (١) .

وقد أطال شيخ الإسلام (٢) وتلميذه ابن القيم النفس فيه، نذكر هنا بعض ما قاله العلامة ابن القيم: "وقد شرع الله تعالى لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم –لضباعة بنت الزبير- وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: ((حجي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك)) (٣) .

فهذا شرط مع الله في العبادة وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التملك وسقوط الهدي.

وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف، وقد صح تعليق النظر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب، وتعليق الضمان بالشرط بنص القرآن، وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاح على وجه الأرض، ولم يأتِ في شريعتنا ما ينسخه بل أتت مقررة له.. ثم بعد أن ذكر أدلة من الكتاب والسنة وأثار الصحابة الكرام –رضي الله عنهم- قال: "والمقصود أن للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء، فإنهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود ومما لا يقبله، فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل؛ فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم.

يوضحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله تعالى، والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر.

وإنما بسطت القول في هذا لأن باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين ويجعل للرجل مخرجاً مما يخاف منه، ومما يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١] ، {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: ١٧٧] .

وههنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، إحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائناً ما كان، والثانية أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه –وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط- فهو لازم بالشرط، ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء، وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الصحابة، ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع، فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بدله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط، وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط؟ ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر، وبالله التوفيق (٤) .


(١) يراجع للتفصيل في ذلك: مبدأ الرضا في العقود: ٢/١١٦٤-١١٩٦.
(٢) القواعد النورانية، ص١٨٤؛ ومجموع الفتاوى: ٢٩/١٢٦.
(٣) رواه البخاري في صحيحه: ٣/٤١٧؛ ومسلم: ٤/٢٦.
(٤) إعلام الموقعين: ٣/٣٨٩-٣٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>