وأما الآثار فهي مروية عن زيد بن أرقم حيث يرى جواز ذلك (١) .
وأما القياس فهو يقتضي صحة هذا العقد لأنه تتوافر فيه الشروط والأركان، وأيضاً لو فتح باب الباطن لأدى إلى الفوضى والاضطراب.
واستدل المانعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم)) (٢) . كما استدلوا بأحاديث أخرى تدل بوضوح على بطلان بيع العينة ونحوها مما فيه نوع من التحايل، وهي بمجموعها تخصص الآيات والأحاديث التي استدل بها الشافعية ومن معهم، ولذلك فالراجح هو قول الجمهور (٣) في أن القصد معتبر في المعاملات أيضاً ولاسيما إذا ظهر ذلك من خلال القرائن والظروف المحيطة به، وكلام الشافعي –رحمه الله – محمول على النية الكامنة في النفس التي لا يدل عليها دليل، أما إذا كانت الظروف والقرائن كلها تدل بشكل واضح على أن البائع لم يرد البيع، وإنما جعله وسيطاً للحصول على الزيادة، ووسيلة إلى الربا فهو بلا شك ينبغي القول ببطلانه وحرمته.
لكن علاقة هذه القاعدة بالإجارة المنتهية بالتمليك يمكن أن تكون محل نظر من حيث إن النية في بيع العينة نية سيئة، يراد من خلالها الوصول إلى الربا، أما القصد وراء الإجارة المنتهية بالتمليك فهو البيع وهو مشروع كالإجارة، -إذن- لا يبقى حرج في هذا المجال، وذلك قد يقال إن في ذلك حيلة لأن العلماء قالوا في باب الحيل إنما تكون محرمة إذا كانت وسيلة إلى محرم، أو إلى التخلص عن مقتضيات نص شرعي، أما إذا كانت الغاية مشروعة، والوسيلة مشروعة فإن ذلك جائز وقد ذكر ابن القيم أنواعاً كثيرة من الحيل المشروعة فقال:
"القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق، أو على دفع الظلم بطريقة مباحة لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقاً إلى هذا المقصود الصحيح.. ونذكر لذلك أمثلة منها: إذا استأجر منه داراً مدة سنتين بأجرة معلومة فخاف أن يغدر به المكري في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإيجار، أو أنه كان مؤجراً قبل إيجاره.. فالحيلة في التخلص من هذه الحيلة أن يضمنه المستأجر درك العين المؤجرة له، أو لغيره، فإذا استحقت، أو ظهرت الإجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه، أو يأخذ إقرار من يخاف منه بأنه لاحق في العين، وأن كل دعوى يدعيها بسببها فهي باطلة، أو يستأجرها منه بمائة دينار مثلاً، ثم يصارفه كل دينار بعشرة دراهم، فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقع عليها العقد ...
ومنها أنه لا يجوز استئجار الشمع ليشعله لذهاب عين المستأجر، والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أواقي معلومة، ثم يؤجرها إياها فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر، وإلا احتسب له بما أذهبه منها، قال ابن القيم: "وأحسن هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كل أوقية منها بدرهم، قل المأخوذ منها أو كثر، وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا، وهو الصواب ... ، بل عمل الناس في أكثر بيوعاتهم عليه، ولا يضر كمية المعقود عليه عند البيع، لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدي إلى القمار والغرر، ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل، وهذه لا تؤدي إلى شيء من ذلك، بل إن أراد قليلاً أخذ، والبائع راض، وإن أراد كثيراً أخذ والبائع راض، والشريعة لا تحرم مثل هذا ولا تمنع منه، بل هي أسمح من ذلك وأحكم".
ثم صرح ابن القيم بأنه لا محذور في الجمع بين الإجارة والبيع، فقال: فإن قيل لكن في العقد على هذا الوجه محذوران:
أحدهما: تضمنه للجمع بين البيع والإجارة، والثاني أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه، أو بعضه بالإشعال.
قيل: لا محذور في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده كما لو باعه سلعة وأجره داره شهراً بمائة درهم، وأما ذهاب أجزاء المستأجر بالانتفاع فإنما لم يجز، لأنه لم يتعوض عنه المؤجر، وعقد الإجارة يقتضي رد العين بعد الانتفاع، أما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمان المتلف بثمنه الذي قدر له وأجره وانتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها، فدعونا من تقليد آراء الرجال، ما الذي حرم هذا؟ وأين هو من كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال الصحابة أو القياس الصحيح " (٤) .
(١) المصدر السابق: ٣/٦٨.
(٢) مسند أحمد: ٢/٨٤؛ وأبو داود –مع العون- البيوع: ٩/٣٥٥.
(٣) ويراجع لمزيد من التفصيل والمناقشة: مبدأ الرضا في العقود دراسة مقارنة: ٢/ ١٢٢٧ – ١٢٣٨.
(٤) إعلام الموقعين، ط. الأزهرية: ٤/٣٣٧ – ٣٤٢.