ثم إنه حتى لو كان عقداً جديداً فلا مانع منه شرعاً ما دام لا يصطدم مع نص شرعي من الكتاب والسنة والإجماع، وذلك لأن الأصل في العقود والشروط هو الإباحة، وليس هناك مانع شرعي من إحداث أي عقد جديد بشرط واحد وهو أن لا يخالف نصاً من الكتاب والسنة أو الإجماع (١) .
٢-للإجابة عن السؤال الثاني، نقول: إن المقصود بالقاعدة هو أنه ينظر في العقود إلى المعنى العام المفهوم من الجملة، ولا يقتصر النظر على كلمة واحدة منها، وإلى المقصد العام منها، فلو قال شخص وهبتك هذه الدار بألف دينار مثلاً فهل ينظر إلى لفظ الهبة التي يتناقض معناها مع تقييدها بألف دينار، حيث إن معناها العطاء دون مقابل، وحينئذ يلغى تماماً العقد، أو يلغى القيد فتكون هبة، أو ينظر إلى المعنى المفهوم من الجملة وهو الدفع في مقابل شيء فيكون بيعاً لأن البيع هو مبادلة المال بالمال، وحينئذٍ لا قيمة لمعنى لفظ مجرد، وإنما العبرة بالمعنى العام المفهوم من الجملة بكاملها، وبالقصد العام منها، وهو البيع (٢) .
وأما القصد من الشيء فهو معتبر عند الجميع لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٣) ، وقد انبثقت منه القاعدة المعروفة: "الأمور بمقاصدها" (٤) .
قال ابن القيم: "ومن تدبر مصادر الشرع تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه، ومن قواعد الشرع التي لا يجوز هدمها أو هدرها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، ودلائل هذه تفوق الحصر ... " (٥) .
لكن هذه القاعدة بهذا المعنى لا تنطبق على موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك، إذ إن عقدها لا يذكر فيها ألفاظ البيع، وإنما يذكر منفصلاً ومستقلاً عن العقد الوعد بالبيع، أو حتى العقد كملحق، ولكن الذي تنطبق على الإجارة المنتهية بالتمليك هو مدى رعاية القصود والنيات أم رعاية الألفاظ والعبارات، فهذا العقد وإن كان قد صيغ بصياغة الإيجار وشروطه لكن مقصود العاقدين هو التملك والتمليك، فالمؤجر لا يريد أن يحتفظ بالعين المؤجرة إلا لفترة زمنية محددة يسترجع فيه ثمنها مع الأرباح، والمستأجر لا يريد الإجارة لذاتها وإنما يريد تملكها ولكن بما أنه لا يمتلك السيولة الكافية أو لأي سبب آخر يختار الإجارة المنتهية بالتمليك، وحتى هذه النية ليست مما يمكن الاستدلال عليها بل تدل عليها الظروف المحيطة بالعقد، ونوعية أقساط الإجارة – حيث تكون أكثر من الأجرة العادية – وبيع العين المستأجرة الذي يتم بثمن رمزي في الغالب لا يمثل قيمتها السوقية.
فقد ثار خلاف بين الفقهاء حول تغليب النيات والقصود على الألفاظ والعبارات ودلالاتها على رأيين:
الرأي الأول: هو الاعتناء بالألفاظ والعبارات، ولذلك صححوا – بيع العينة ونحوه، وهذا رأي الشافعية وأبي يوسف من الحنفية، في حين ذهب الجمهور إلى عدم صحة بيع العينة (٦) ، والجميع متفقون على حرمتها إذا أراد عاقدها التحايل على الربا، وإنما الخلاف فيما عدا ذلك وفي الصحة والبطلان.
وقد استدل المجيزون بالكتاب والسنة والآثار والقياس:
أما الكتاب فهو الآيات الواردة بخصوص وجوب الوفاء بالعقود، وهي ليست إلا الإيجاب والقبول مع توافر بقية الأركان والشروط، وليس في هذه الآيات ما يشير إلى وجوب الكشف عن نية العاقد، وغرضه ما دام الظاهر مشروعاً.
وأما السنة فمنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما بسنديهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم)) (٧) ، والحديث واضح في دلالته على أن المعتبر هو القول، أو الفعل، قال الشافعي: إن الله تعالى أمره –أي النبي محمداً صلى الله عليه وسلم- أن يحكم على الظاهر.. (٨) .
(١) يراجع للتفصيل في هذه المسألة والتحقيق فيها: مبدأ الرضا في العقود، ط. دار البشائر، ١٩٨٥: ٢/١١٦٤.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص٢٠٧.
(٣) الحديث صحيح متفق عليه انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري: ١/١٢؛ ومسلم: ٣/١٥١٥؛ وسنن أبي داود مع عون المعبود: ٦/٢٨٤؛ والنسائي: ١/٥١.
(٤) الأشباه والنظائر للسيوطي، ط. دار الكتاب العربي ببيروت، ص ٣٨.
(٥) إعلام الموقعين: ٣/١٠٩ – ١١٢.
(٦) بيع العينة هو: أن يبيع شخص شيئاً لآخر بمبلغ ألف دينار مثلاً مؤجلاً، ثم يشتريه منه بتسعمائة حالاً، فأصبح في ذمة المشتري الأول ألف دينار بينما لم يستلم إلا تسعمائة دينار فقط. يراجع في تفصيل مسألة العينة: فتح القدير مع شرح العناية: ٥/٢٠٨؛ والفتاوى الهندية: ٣/٢٠٨؛ وبداية المجتهد: ٢/١٤٠؛ وشرح الكبير مع الدسوقي: ٣/٧٦؛ والخرشي على المختصر: ٥/١٠٥؛ والأم: ٣/٣٤؛ والروضة: ٣/٣٧٤؛ والمغني لابن قدامة: ٤/٦٢، ١٩٣؛ ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: ٢٩/٣٠؛ وإعلام الموقعين: ٣/١٢٨.
(٧) صحيح البخاري –مع الفتح- كتاب الطلاق: ٩/٣٨٨؛ ومسلم، كتاب الإيمان: ١/١١٦؛ ومسند أحمد: ٢/٢٥٥.
(٨) الأم: ٥/١١٣ –١١٤.