ويبقى التعامل عند اختلاف نوع العملة، لكنه في نطاق الحاجة الحقيقية فقط، وفي نطاق المحافظة على طبيعة وخصائص النقود، فهو تعامل لا يقضي على النقود بل يدعم من دورها ومهامها، ففي داخله تظل النقود ثمنًا، يباع ويشترى للتوصل به إلى الحصول على السلع والخدمات لا لتحويله إلى سلعة من هذه السلع. هذا التعامل في ظل هذه الضوابط جائز واتخاذه مهنة أو تجارة جائزة، لكنها تجارة مكروهة؛ لعسر التحرز من الوقوع في الأخطاء، ولذلك قال العلماء من الأفضل الابتعاد عنها إلا للتقي الحريص على دينه، يقول الإمام الباجي:". . يقتضي جواز المصارفة لمن لم يتخذ ذلك متجرًا، وأما من اتخذ ذلك متجرًا أو صناعة فقد كره جماعة من السلف، قال مالك، أكره للرجل أن يعمل بالصرف إلا أن يتقي الله "(١) .
وليس معنى ذلك زوال هذا النشاط من دنيا الناس، إنه نشاط أساسي، لكنه لا ينبغي أن يكون مجالاً للتربح والتجارة، وإنما الأحرى أن يكون نشاطًا خدميًّا تقوم به الدولة بالدرجة الأولى.
في ضوء هذا التحليل السريع المبسط يمكننا فهم مقصود علمائنا رحمهم الله تعالى من قولهم التجارة في النقد ممنوعة ومرفوعة شرعًا، إنهم لا يقصدون بذلك منع ورفض قيام شخص أو مؤسسة بمزاولة نشاط التعامل في النقد بالمواصفات الموضوعة، إن ذلك لا يدخل ضمن التجارة في النقد بالمعنى الذي يهدفون إليه، والذي ينصرف إلى ممارسة هذا النشاط في غيبة هذه الضوابط. أو بعبارة أخرى التجارة في النقد بما يحيل النقد سلعة كأي سلعة، لكن التعامل فيه بما يبقى عليه وصف النقدية والثمنية فلا يدخل في نطاق التجارة في النقد، وهذه بعض أقوالهم.
يقول ابن رشد الحفيد:" إن منع التفاضل في هذه الأشياء – الأموال الربوية غير النقود – يوجب ألا يقع فيها تعامل – بيع وشراء – لكون منافعها غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع المختلفة. . وأما الدينار والدرهم فعلة المنع – منع التفاضل – فيها أظهر إذ كانت هذه ليس المقصود منها الربح – أي التجارة فيها على أنها سلعة – وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التي لها منافع ضرورية "(٢) .