أما إذا كانت المبادلة بين نقد ونقد مغاير سواء من حيث المادة المصنوع منها مثل الذهب والفضة والنحاس، أو من حيث بلد الإصدار مثل ريال وجنيه، فلا مجال لشرط التماثل هذا.
٢- التقابض أو الفورية المتبادلة: بمعنى أن يتم عند العقد القبض المتبادل بين الطرفين، هذا يسلم هذا ويستلم منه. فإذا لم يحدث قبض من كلا الطرفين أو من طرف منهما فسد العقد، وأصبح التعامل محرمًا. وهذا الشرط يعم كل تبادل في النقود، سواء كانت من صنف واحد أو من أصناف مختلفة. فريال بريال وريال بجنيه وذهب بذهب بفضة، وهلم جرا، لا بد في كل ذلك من التقابض المتبادل الفوري حتى يكون التعامل جائزًا. وبعبارة أخرى لا بد من ذلك وإلا كان التعامل حرامًا.
كل ذلك أخذًا من النص الصحيح "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد " أو " ها وها"" الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد ".
تلمس الحكمة أو بعض جوانبها من هذين الشرطين: تجدر الإشارة أولاً إلى ما لهذين الشرطين من أهمية قصوى في نظر الإسلام، ويكفي أن ندرك أن افتقاد هذين الشرطين أو أحدهما يدخل التعامل في لجة الربا، وكفى به حرمة وبشاعة. ولا شك أن هذا يضيف بعدًا جديدًا لأهمية اكتشاف الحكمة من وراء ذلك أو على الأقل بذل المحاولة الجادة.
وقد يسهل من المهمة طرح هذا التساؤل ومحاولة الإجابة عليه: ما الذي يحدث للحياة الاجتماعية والاقتصادية لو تغاضينا في هذه المبادلات العملانية – إن جاز التعبير – عن هذين الشرطين أو أحدهما؟ وحتى يكون فهمنا جيدًا علينا أن نضع نصب أعيننا أننا أمام تعامل في النقود ولسنا أمام تعامل في سلعة من السلع أو خدمة من الخدمات العادية المعروفة، التعامل هنا محله النقد، هو المعقود عليه وهو في نفس الوقت المعقود به. وللنقد طبيعته وخصائصه وله مهامه ووظائفه. لو وضعنا كل ذلك أمامنا فإن ذلك يمكن أن يوصلنا إلى معرفة ما يصيب الحياة الاقتصادية والاجتماعية من جراء التغاضي عن هذين الشرطين أو أحدهما، عند ذلك تصبح النقود سلعة مثل أية سلعة في المجتمع، تقصد لعينها من بعض الأفراد والجهات ويتربح من بيعها وشرائها، وتؤجر وتستأجر، وتحتكر وتخزن، ويتلاعب في سوقها عرضًا وطلبًا للتأثير على سعرها، وتتقلب أسعارها صعودًا وهبوطًا عمدا أو بحوالة الأسواق، وكل ذلك ضد طبائع النقود، كما أنه يقضي على وظائفها التي لا غنى عنها، بل إنه يقضي على وجودها ذاته، كما قال بحق علماء الإسلام، حيث يصير كل ما في المجتمع سلعًا دون نقد. فهل يعيش المجتمع دون نقود؟ ثم لننظر أثر ذلك على الديون وتراكمها محليًّا ودوليًّا، وعلى الاقتصاد الحقيقي، وعلى العلاقات الاقتصادية الدولية، وعلى الاستقرار السعري الداخلي، وعلى التنمية الاقتصادية وما تقوم عليه من عمليات الإنتاج والتبادل؟ وعلى الاستهلاك.
إن التغاضي عن هذين الشرطين أو أحدهما يفتح الباب على مصراعيه للتجارة في النقود، حيث التربح السريع والضخم، والمجال المفتوح للثراء السريع. لكنا لو تأملنا جيدًا في نطاق وطبيعة التعامل في النقود في ظل هذين الشرطين لوجدنا أن التعامل فيها عند اتحادها يكاد ينعدم نهائيًّا، حيث لن يحقق لأي طرف أية مزية أو فائدة. وبالتالي تكون التجارة فيه عبثية، كما قال بحق الإمام الغزالي:" وأما بيع الدرهم بدرهم فجائز، من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل ولا يشتغل به تاجر، فإنه عبث يجري مجرى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه. ونحن لا نخاف عى العقلاء أن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه، فلا نمنع مما لا تتشوق النفوس إليه. . "(١)