ملحق في التمييز بين الصرف والتجارة في النقد
في صلب البحث أشرنا إلى أن التجارة في النقد لها موقف مغاير لموقف الصرف في الإسلام، وقلنا أن الأولى مرفوضة إسلاميًّا، وقد صرح بذلك تصريحًا صريحًا العديد من الفقهاء، وإن الصرف مشروع إسلامي بشروط معينة. ونحب هنا أن نوضح بقدر الإمكان ما هنالك من تمييز بين السلوكين، وأن نتعرف على بعض جوانب الحكمة في تحريم الأولى وإباحة الثانية.
تعريف الصرف: الصرف هو بيع الأثمان ببعضها. والأثمان في الاصطلاح الفقهي تعني النقود، سميت بذلك لقيامها بوظيفة الثمنية في المبادلات، ففي كل بيع نجد ثمنًا ونجد مبيعًا. والنقود هي الأثمان المطلقة في العقود، سواء كانت في مواجهة بعضها ولو من جنسها أو من غير جنسها، أو مواجهة سلع وخدمات. إنها متى ظهرت في المبادلة كانت ثمنًا على كل حال. وبعض الفقهاء يصرح في الصرف بأنه مبادلة أو بيع النقود ببعضها.
يقول الإمام السرخسي: "الصرف اسم لنوع بيع وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض. والأموال ثلاثة؛ نوع منها في العقد ثمن على كل حال، وهو الدراهم والدنانير صحبها حرف الباء أو لم يصحبها، سواء كان ما يقابلها من جنسها أو من غير جنسها " (١) .
فمبادلة العملة بعملة من جنسها أومن غير جنسها هو صرف في المصطلح الفقهي، ما عدا الفقه المالكي، حيث قصر هذا المصطلح على مبادلة العملة بعملة من غير صنفها، مثل الذهب بالفضة، والريال بالجنيه. أما بيع العملة بعملة من صنفها فإن كانت عددًا فيسميها مبادلة وإن كانت وزنًا فيسميها مراطلة.
أهمية عملية الصرف في حياة الناس: للصرف، وخاصة بالمفهوم المالكي له، أهمية بينة في حياة الناس، وذلك من حيث تسهيل وتيسير تحصيلهم وتحقيقهم لمطالبهم ومقاصدهم، فما يتوصل إليه بالفضة وهي قليلة القيمة بالنسبة للذهب قد لا يتأتى التوصل إليه بالذهب. والصورة أكثر وضوحًا في العملات المساعدة النحاسية وغيرها. كذلك فإن الحصول على سلع وخدمات في دولة ما يستلزم بذل عملات هذه البلدة وليس غيرها. ومن ثم كان من الضروري قيام صرف أو مبادلة بين العملتين. وغير خاف أن التجارة الدولية وتحركات رؤوس الأموال الدولية تعتمد بصورة أو بأخرى على عملية الصرف بين العملات.
لكن الأهمية الواضحة هذه قد تخفت أو تتلاشى عند مبادلة النقد بنقد من نفس جنسه، ذهب بذهب، أو ريال بريال، أو جنيه بجنيه. اللهم إلا إذا ظهر فضل حقيقي أو معنوي في أحدها يغري الفرد على إتمام هذه المبادلة، وإن لم يكن وراءها نفع للطرف الثاني أو للمجتمع.
مشروعية الصرف: الفعل إذا حقق مطلبًا سليمًا تتطلبه حياة الناس الرشيدة لا يحظره الإسلام بل يجيزه، ويضع له من الضوابط ما يحول بينه وبين ما قد يكون له من آثار سلبية. وبالتأمل في تناول الفقهاء لمشروعية الصرف وجدنا أمرًا قد يكون جديرًا بالنظر وهو خلافهم حول: هل هو جائز بشروط أم هو ممنوع إلا بشروط؟ والفرق كبير بين هذا وذاك رغم أن المآل قد يكون واحدًا. وقد نقل بتفصيل هذا الحوار الفقهي الإمام السرخسي (المبسوط: ١٤/ ٢) . وقد يكون للموقف الأول قوته ووجاهته إذا ما نظرنا للصرف على أنه تبادل عملة بعملة مغايرة، بينما يكتسب الموقف الثاني نفس المزية إذا ما نظرنا للصرف على أنه مبادلة عملة بعملة من جنسها. حيث في الأولى – كما سبق الإشارة – توجد حاجة حقيقية، بينما في الثانية لا نكاد نجد ذلك بوضوح مع ما قد يتولد عنها من شرور.
وبتجاوز هذا الخلاف الدقيق وبفرض سيرنا على أنه جائز بشروط، فإن هذه الشروط لا تختلف من فريق لفريق بل الجميع متفق عليها لوجود النص الصريح عليها في السنة الصحيحة. وهذه الشروط تنحصر في شرطين:
١- التماثل المقداري أو الكمي، وزنًا أو عددًا. وذلك إذا كانت المبادلة بين نقد ونقد من جنسه ذهب بذهب، ريال بريال. . . إلخ. لا تتفاوت في المقدار أو العدد تحت أي اعتبار حتى ولو اختلفت في الصفات بل وفي الجودة. والحديث الشريف يصرح بقوله: ((مثلاً بمثل)) ، وفي حديث آخر يحدد نوع المثلية هذه بقوله: ((وزنًا بوزن)) ، والأحاديث الشريفة يفسر بعضها بعضًا.
(١) المبسوط: ١٤ / ٢.