ويقول الغزالي:" كل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير – تعامل في غيبة الشرطين أو أحدهما – فقد كفر النعمة وظلم، لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينيهما، فإذا اتجر في عينيهما فقد اتخذها مقصودًا على خلاف وضع الحكمة. . . فأما من معه نقد فلو جاز له بيعه بالنقد – التعامل فيه على أنه سلعة – فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدًا عنده وينزل منزلة المكنوز.. "(١) .
ويقول ابن تيمية:" إن المقصود بالأثمان – النقود – أن تكون معيارًا للأموال، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب، فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها دينًا في الذمة مع أنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن تباع بثمن إلى أجل "(٢) .
ويقول ابن القيم:" وحاجة الناس إلى ثمن – نقد – يعتبرون به المبيعات – السلع والخدمات حاجة ضرورية عامة. . إلى أن يقول: فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير – عدم التماثل – مثل أن يعطى صحاحًا ويأخذ مكسرة أو ثقالاً ويأخذ خفافًا أكثر منها لصارت متجرًا – سلعة يتاجر فيها – وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس"(٣) .
كما يقول:" وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان – النقود – بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان "(٤) . ولهذا قال في كتاب آخر:" ويمنع المحتسب من إفساد نقود الناس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها"(٥)
وهكذا نجد الاتساق في أقوال ومواقف الفقهاء؛ إذ يقولون بجواز الصرف وبحرمة التجارة في النقد. وهذا ما ينادي به اليوم الفكر الاقتصادي الحكيم. والله أعلم.