ويقول الإمام أحمد:" لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم في ذلك ركبوا العظائم "(١) . ويقول النووي:"إن ضرب النقود من أعمال الإمام "(٢) . ويقول ابن خلدون:"والسلطان مكلف بإصلاح السكة والاحتياط عليها والاشتداد على مفسديها"(٣) .
هذه نصوص متواترة تؤكد على أن أمر النقود هو من اختصاص ومسؤوليات الدولة، وحتى إذا مارسها القطاع الخاص فليكن تحت إشراف ورقابة الدولة (٤) .
٤- من خلال هذين الموقفين المتغايرين لكل من الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي حيال النقود نجد من المهم الإشارة إلى أمر برز بوضوح وخاصة في الآونة الأخيرة على لسان بعض كبار الاقتصاديين من غربيين وغيرهم. وهو طرح تساؤل جوهري حول مدى صلاحية الفكر الاقتصادي الوضعي الراهن. وما إذا كان في حاجة إلى ثورة فكرية تفعل فيه ما سبق أن فعلته الثورة الفكرية الكينزية.
يقول الدكتور حازم الببلاوي في معرض تعليقه على الأزمة الاقتصادية التي ضربت بلاد جنوب شرق آسيا:"وجاء أحداث جنوب وشرق آسيا لتلقي من جديد الشكوك حول مدى كفاءة التنظيم الدولي في التنبؤ بالأزمات المالية قبل وقوعها. وليس الأمر مقتصرًا على كفاءة وفاعلية جهاز صندوق النقد الدولي، بل إنه قد ينصرف إلى جوهر النظريات الاقتصادية السائدة والتي يبدو أنها مازالت بعد قاصرة عن الإحاطة بتطورات الواقع الاقتصادي. فهل نحن بحاجة إلى ثورة جديدة في الفكر الاقتصادي كما جاءت نظرية كينز في الثلاثينيات من هذا القرن انقلابًا في الفكر السائد، ولكي تلقي ضوءًا على أسباب الأزمة العالمية في ذلك الوقت؟ سؤال مطروح "(٥) .
وقبله ببضع سنين قال الاقتصادي الفرنسي الشهير (موريس آليه) ما هو أشد من ذلك تجريحًا وذمًا في الفكر الاقتصادي المعاصر، ومن أقواله في ذلك (٦) : "إنها بالتأكيد لفضيحة فكرية وسياسية كبيرة أن مجتمعاتنا الديمقراطية، بعد تكرر الأزمات الكبرى منذ قرنين على الأقل، لم يظهر أنها قادرة على تحديد المؤسسات الاقتصادية، التي إن لم تؤدِّ إلى إلغاء التقلبات الاقتصادية، فعلى الأقل إلى التخفيف من حدتها بصورة جوهرية "، "إنه في الوقت الذي فرغت فيه فرنسا من الاحتفال بعيدها المائتين للثورة الفرنسية ولإعلان حقوق الإنسان يجب علينا أن نعلن أنه من الحقوق الأساسية للإنسان هي أن يجد هذا الإنسان حماية فعالة من الطريقة الظالمة بل غير الأمينة التي يعمل بها اليوم اقتصاد أسواق، سمح به تشريع غير ملائم، وربما حاباه وشجعه"، ثم جاءت حركة غريبة نشيطة وقوية عقب هذه الأزمات الطاحنة، فقد عقدت مؤتمرات دولية على أعلى مستوى لدراسة قواعد اللعبة وإعادة النظر فيها، ثم تبلور الموقف عمومًا فيما طرح تحت عنوان (الطريق الثالث) .
(١) أبو يعلى، الأحكام السلطانية، ص ١٨١، القاهرة، مكتبة الحلبي. (٢) روضة الطالبين: ٢ / ٢٥٨. (٣) المقدمة، ص ٥٢٦، القاهرة، دار إحياء التراث العربي. (٤) والبعض يرى أن للدولة القيام بتحديد القيمة الخارجية لعملتها طبقًا لما ذهب إليه بعض العلماء من جواز عملية التسعير، ولكني أرى أن المستند الشرعي لقيام الدولة بذلك طالما كان ذلك أمرًا مطلوبًا هو أقوى بكثير من الاستناد على مسألة التسعير، حيث إن التسعير وما دار حوله كان بإزاء السلع والخدمات الخاصة. أما النقود فهي أمر مغاير تمامًا وهي أمر عام من شؤون الدولة. (٥) حول أزمة نمور جنوب شرق آسيا، مقال بصحيفة الأهرام القاهرية في ٧/٢/١٩٩٨م. (٦) مرجع سابق، ص ١٦، ٥٢.