وإنني بدوري أتساءل: في ظل هذه الوضعية المتردية للفكر الاقتصادي الوضعي المعاصر، وعجزه عن عمل شيء فعال لإصلاح واقع الناس ألا يحق لنا، بل يجب علينا أن نعلن بقوة موضوعية ونذيع هنا وهناك بعض إن لم يكن كل مبادئ وأدوات ووسائل الاقتصاد الإسلامي؟ على الأقل فيما يتعلق بالجانب النقدي والمالي وما يقوم عليه من مؤسسات من مصارف وبورصات؟ وبهذا نقي العالم مما يتعرض له بشكل سريع ومتكرر من أزمات وعواصف تخلق باقتصادياته أفدح الأضرار.
إن كل ما نادى به (موريس آليه) من إصلاحات ضرورية للنظام النقدي والمالي وللمؤسسات القائمة فيه هو من المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي. إنه يجزم بحق – ومعه غيره – بأن من عوامل الأزمة ما يسبق الأزمة من سخونة مرتفعة في الاقتصاد ونشاط محموم هنا وهناك، ويؤكد على أن ذلك لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، بل لا بد من التراجع والتراجع السريع الذي يؤدي إلى فقدان الثقة بالاقتصاد كله.
وقد برهن الواقع على صدق هذا الفكر من حيث ما حدث البلاد جنوب شرق آسيا. ويؤكد على أنه لا علاج لذلك إلا بحظر خلق النقود من لاشيء وإبرام العقود دون دفع، فعند ذلك " لا يمكن أبدًا حدوث ارتفاعات عظيمة في أسعار البورصات التي سجلت قبل الأزمات الكبرى، لأن كل نفقة مخصصة لشراء أسهم يقابلها في موضع ما نقص في نفقات أخرى بمبلغ مكافئ. وتنشأ في الحال آليات منظمة تميل إلى إلغاء كل مراهنة على الأسعار لا مسوغ لها "(١) . إننا لو نظرنا جيدًا إلى أحكام النقود والعقود في الإسلام لوجدنا فيها أكثر مما ينادي به موريس آليه.
وفي اعتقادي أن التعرف على موقف الاقتصاد الإسلامي من عمليات المضاربة على العملات يصبح من السهولة بمكان طالما أمسكنا بمفاتيح القضية السابقة في أيدينا. ويمكن الإشارة إلى أهم جوانب هذا الموقف فيما يلي:
١- استقرار قيمة النقد داخليًّا وخارجيًّا من مقاصد الشريعة ومطلوباتها لما يتوقف عليه من مصالح عامة الناس، وهو من الوظائف الأساسية للدولة الإسلامية. ومعروف أن الاستقرار شيء والتثبيت شيء آخر، الأول لا يختلف حول فوائده أحد، أما الثاني ففوق أنه متعذر فإن له مثالب لا تحبذ المناداة به على الدوام. وأمام الدولة أكثر من وسيلة لتحقيق هذا الهدف خارجيًّا، ومن ذلك الرقابة على الصرف بضوابط، وكذلك ما يعرف بالتعويم المدار، وسن القوانين التي تمنع من المضاربة على العملة أو على الأقل تجعل منها، مثل تقييد عمليات تكرار البيع والشراء، وفرض ضرائب على ذلك، وحظر الكثير من أساليبها وصورها.