ويقول ابن القيم:" إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال. فيجب أن يكون محددًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن له ثمن يعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة. . وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء. . ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر. كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم "(١) .
ويقول في موضع آخر:" ويمنع المحتسب من جعل النقود متجرًا – سلعة يتاجر فيها – فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها "(٢) .
إن التحليل الاقتصادي السليم، بل مجرد النظرة الاقتصادية الموضوعية في هذه النصوص تكشف لنا عن موقف إسلامي واضح وحاسم حيال النقود وضوابط التعامل معها.
٣- اتساقًا مع هذا الموقف المبدئي الصحيح للاقتصاد الإسلامي حيال النقود جاء موقفه حيال المسؤولية عنها وعن إنتاجها وصناعتها: إن المسؤول عن ذلك هو الدولة وليس شيئًا آخر، ومسؤولية الدولة في ذلك لا تقل عن مسؤوليتها حيال أي أمر يتوقف على صلاحه صلاح الدنيا، ومن ثم صلاح الدين. وأي عمل يلحق الضرر بنقود المجتمع مرفوض إسلاميًّا حتى ولو كان من قبل الدولة نفسها، وعلى الدولة مسؤولية وقاية النقود منه ودفعه إذا وقع أًّا كانت صورته، وأيًّا كان مصدره يستوي في ذلك الغش والتزوير وتقليل القيمة، والاحتكار والمضاربة وغير ذلك من كل ما يجد من صور وعمليات تلحق الضرر بالعملة (٣) ، وما ذلك إلا لأن النقود إذا فسدت فسد اقتصاد المجتمع وفسدت بذلك اجتماعياته، وإذا صلحت صلح اقتصاد المجتمع وكل جوانبه.
(١) إعلام الموقعين: ٢ / ١٥٦، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية. (٢) الطرق الحكمية، ص ٢٨١، القاهرة، المؤسسة العربية للطباعة والنشر. (٣) ولها في ذلك استخدام ما تراه صالحًا من رقابة على الصرف أو تقويم موجه إضافة إلى حظر الممارسات المحظورة في بورصة الصرف الأجنبي، وكذلك سعر الفائدة، حيث تبين أنه يلعب دورًا خطيرًا في ممارسة النشاط المضاربي على العملات والأوراق المالية.