وهكذا انقض الاقتصاد الوضعي على نفسه قاضيًا على كل ما شيده من مبادئ رشيدة.
٢- إذا كان هذا هو موقف الاقتصاد الوضعي حيال ما يعترف هو به من أن النقود أخطر ظاهرة اقتصادية عرفها الإنسان: وأثرت فيه إيجابًا وسلبًا، فإن موقف الاقتصاد الإسلامي مغاير تمامًا.
فالنقود لديه ليست سلعة ولا خدمة، وإنما هي حق على كل السلع والخدمات أو حاكم عليها، كما عبر بحق الإمام الغزالي، إنها في جهة والسلع والخدمات في جهة مقابلة، إنها بتعبير الفقهاء ثمن وما عداها مثمنات، إنها لا تقصد ولا تشبع حاجة بذاتها، وإنما من خلال قدرتها على حيازة وتملك السلع والخدمات ذات المنافع المباشرة وذات القيم الاستعمالية المنفصلة عن القيم التبادلية. بالاختصار الشديد هي شيء وما عداها شيء آخر مغاير تمام المغايرة. وبالتالي فالتعامل معها مغاير تمامًا للتعامل مع غيرها، فهي أداة للتجارة وليست محلاً لها. هي لا تؤجر كما تؤجر بعض السلع، وهي ليست محلاً للتربح بل أداة له (١) .
وهذه بعض نصوص فقهية.
يقول ابن رشد:"المقصود من النقود المعاملة أولاً لا الانتفاع – لاحظ أنه يتحدث وفي ذهنه النقود المعدنية – أما المقصود من العرض – السلع – فهو الانتفاع أولاً لا المعاملة. وأعني بالمعاملة كونها ثمنًا "(٢) .
ويقول السرخسي:"الذهب والفضة خلقا جوهرين للأثمان لمنفعة القلب والتصرف"(٣) . أي أنهما خلقا ليتاجر بهما، ومن خلالهما تتداول السلع والخدمات.
ويقول النيسابوري:"وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء "(٤) .
ويقول ابن تيمية:" والدراهم والدنانير لا تقصد لذاتها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها"(٥) .
ويقول الغزالي:" من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان يحتاج إلى أعيان كثيرة – سلع كثيرة – في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته. .. فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين – وسيط للمبادلة – بين سائر الأموال – السلع والخدمات – حتى تقدر بهما الأموال. . فمن ملكها فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوبًا فإنه لم يملك إلا الثوب"(٦) .
(١) د. شوقي دنيا، النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي، الرياض، مكتبة الخريجي، ١٤٠٤هـ، ص ٣٠٨ وما بعدها. (٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ١ / ٢٥١، القاهرة، مكتبة الحلبي. (٣) المبسوط: ٢ / ١٨٤، بيروت، دار المعرفة. (٤) غرائب القرآن: ٢ / ١٦٢. (٥) الفتاوى الكبرى: ١٩ / ٢٥١، الرياض، الرئاسة العامة للبحوث العلمية. (٦) إحياء علوم الدين: ٤/ ٩، بيروت، دار المعرفة.