للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المقصد الشرعي من عقد الضمان في الشريعة الإسلامية:

حفظ الأموال مقصد مهم من مقاصد الشريعة الإسلامية، التعامل بالدين تجارة، والإقراض لذوي الحاجات من أعمال البر التي رغب فيها الإسلام، لكن إعطاءها لمن لا معرفة بهم لدى أرباب الأموال ضياع وإهدار لها من جهة، والامتناع عن ذلك والكف عن إقراضهم ومداينتهم، وتجاهل حاجاتهم لا ترضاه الشريعة السمحة، ولا تقبل به بين المسلمين، فشرع الإسلام الضمان حفظًا للأموال، وسدًّا لحاجات المحتاجين، دون ضرر يمس بمصلحة واحد منهم. فمن ثم جاءت تشريعاته وأحكامه منسجمة مع تلك المقاصد والأهداف.

أخذ الأجر على الضمان:

الضمان في الشريعة الإسلامية من أعمال البر والمعروف التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، ناسب أن لا يؤخذ عليها أجر قل أو كثر، فقد ورد في الحديث الشريف: " ثلاثة لا تكون إلا لله: الجعل، والضمان، والجاه ". (١)

في ضوء المقصد الشرعي من الضمان استنتج الفقهاء أنه " لا يجوز ضمان بجعل؛ لأن الضمان معروف، ولا يجوز أن يؤخذ عوض عن معروف وفعل خير، كما لا يجوز على صوم ولا صلاة؛ لأن طريقها ليس لكسب الدنيا، وقال مالك: لا خير في الحمالة بجعل.

قال ابن القاسم: فإن نزل وكان يعلم صاحب الحق سقطت الحمالة، ورد الجعل، وإن لم يكن يعلمه فالحمالة لازمة للحميل، ويرد الجعل على كل حال. . . " (٢) قال أبو بكر بن المنذر: " أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز ". (٣)

فرع الفقهاء على هذا الحكم مسائل وصورًا عديدة. ذكر العلامة عبد الباقي الزرقاني تعليقًا على بعض مسائل الضمان قوله: " إن الجعل للضامن ممتنع سواء كان من عند رب الدين، أو من المدين، أو من أجنبي، وعلم ربه به قبل رده، فإن لم يعلم به رد، والحمالة ثابتة. ". علل للتحريم بأن الضامن " إذا غرم رجع بما غرمه مع زيادة الجعل، وذلك لا يجوز لأنه سلف بزيادة ". (٤)

من فروع هذه المسألة عند الشافعية: " لو أمره بالضمان عنه بجعل جعله له، لم يجز، وكان الجعل باطلًا، والضمان إن كان بشرط الجعل فاسدًا، بخلاف ما قاله إسحاق بن راهويه؛ لأن الجعل إنما يستحق في مقابلة عمل، وليس الضمان عملًا فلا يستحق به جعلًا ". (٥)

هذا هو الأصل الشرعي في حكم أخذ أجر على الضمان.

في ضوء هذا الأصل لا يجوز شرعًا في عقد الضمان المتضمن في عقود بطاقات الإقراض أن يفرض أجر للضمان، سواء من المضمون عنه (حامل البطاقة) ، أو المضمون له (التاجر) ، أو من غيرهما من أجنبي عن العقد.


(١) الصاوي، أحمد بن محمد، حاشية على الشرح الصغير على أقرب المسالك مع الشرح، ج ٣، ص ٤٤٢، لم أقف على هذا الحديث في المصادر، وقد انفرد العلامة الصاوي بذكره بين المؤلفين الفقهاء، فيما توصلت إليه من البحث، والله أعلم.
(٢) المواق، أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري، التاج والإكليل لمختصر خليل، هامش مواهب الجليل للحطاب، الطبعة الأولى، (مصر: مطبعة السعادة، عام ١٣٢٩ هـ) ، ج ٥، ص ١١١
(٣) ابن المنذر النيسابوري، محمد بن إبراهيم، الإشراف على مذاهب أهل العلم، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد نجيب سراج الدين، (قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، عام ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤) ، ج ١، ص ١٢٠
(٤) شرح الزرقاني على مختصر خليل، (بيروت: دار الفكر) ، ج ٦، ص ٣٣
(٥) الماوردي، الحاوي الكبير، ج ٨، ص ١٢١

<<  <  ج: ص:  >  >>