صحيح كان هنالك غلاء ورخص، وكان هنالك كساد وانقطاع ولكن هذا الذي نحن فيه اليوم هو كساد وانقطاع ولكنه أيضًا ليس كسادًا وانقطاعًا. غلاء ورخص ولكن ليس غلاء ورخصًا أيضًا وفيه وجوه شبه منها وليس فيه وجوه شبه من هناك، ولكنها في حقيقة الأمر نازلة. وما من واقعة كما تعلمون إلا ولله –سبحانه وتعالى- فيها حكم شرعي، وعلينا أن نكتشف هذا الحكم الشرعي ونظهره للناس لا أن نوجده. وإذا انتهى العلامة ابن عابدين في حاشيته (رد المحتار) ورسالته (تنبيه الرقود) إلى الصلح وهو ما تفضل به أخي الدكتور منذر قحف، فهذا كلام وجيه ولكن هذه فتيا، والفتيا –كما تعلمون- إخبار عن الله وليست ملزمة، فإذا قال أحد المتضررين أو المتضرر مثلًا أو الذي لم يتضرر يعني أحد الطرفين: أنا لا أقبل بالصلح، فماذا نقول؟ لو قال مثلًا أحد منا بالقضاء أننا نقضي عليه بالصلح فأقول: ليست كل البلاد –العربية والإسلامية- فيها قانون إسلامي بل كثير من البلدان العربية والإسلامية تعاني من القانون المدني، والقانون المدني لا علاقة له بما نحن فيه لا من قريب ولا من بعيد، فكيف نفرض على قاض مدني أن يقضي بصلح وهو أصلًا يحكم بقانون نابليون وليس بالفقه الإسلامي؟ إذن قضية القضاء غير واردة، وقضية الفتيا غير ملزمة. الصلح رأي وجيه لو أننا نلزم به الآخرين ولكن كيف؟ ما هي الطريقة إلى الإلزام؟ مثلًا في الجمهورية العربية السورية –إن شاء الله- أمل أن نحكم الفقه الإسلامي وهذا طريق سلكناه ولكن لم نصل إليه، لا يزال القانون المدني عندنا هو الذي يحكم، وكذلك في لبنان، وأظن كذلك في تركيا، في مصر. فماذا نقول؟ إذن لدينا مخلص واحد وهو أن نلحق هذه المسألة بالجوائح وإما أن نلحقها بنظرية الظروف الطارئة. وقد ألحقتها من قبل في رسالتي المتواضعة التي قدمتها في الكويت إلى المجمع الموقر ألحقت المسألة بالجوائح وقلت: إن هذه المسألة ينبغي أن تكون ألصق ما تكون بالجوائح. ثم لما وصلت إلى رسالة أستاذنا العلامة الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، عافاه الله وشافاه، وجميع المسلمين ولا سيما العلماء العاملين، ورأيت فيها توجهًا جيدًا موفقًا نحو الأخذ بنظرية الظروف الطارئة واستعادتها إلى فقهنا الإسلامي، ثم راجعت ذاكرتي فرأيت من كتب في نظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي فالدكتور عبد السلام التمامي مثلًا والدكتور فتحي الدريني كتب كل واحد منهما بحثًا قيمًا في نظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي. فإذا أحببنا أن نأخذ ريثما تعقد لذلك ندوة إذا أردنا أن نعقد ندوة بالمرضي الذي نحدد الندوة له. نقول: هذه الندوة ينبغي أن تبحث في نظرية الظروف الطارئة. نحدد المبدأ للندوة ولا نترك المنتدين ضائعين في الحلول هنا وهناك، يتيهون في متاهة الحلول الفقهية وكل منهم يأتي بشيء ويناقضه الآخر، ثم ينفضون ولا يتفقون على شيء كما حل في الندوات السابقة التي نظمها المجمع الموقر مشكورًا ولا سيما الأمانة العامة والرئاسة مشكورين في قضية العملات وأظن أنها أكثر من ندوة، ومع ذلك لم يصل المجمع إلى شيء.