للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فنعود إذن إلى المسألة الأساسية وهي الكساد والانقطاع. ما فهمته من تعاريف الفقهاء على كثرتها وتنوع المذاهب فيها أننا يمكن أن نستخلص منها صورًا، وسعيت أن أطبق هذه الصور على النقود المعاصرة. أنا سأذكر الصور المهمة فقط التي تؤثر على موضوعنا. الصورة الثالثة –مثلًا- من صور الكساد والانقطاع. أنا صنفتها ضمن صنفين. الصنف الأول: هو الكساد القائم بحالات منع السلطان التعامل بالنقد (منع الحكومة التعامل بالنقد) . والحالة الثانية: عزوف الناس عن النقد. أن الناس من أنفسهم دون أمر من السلطان يبتعدون عن التعامل بذلك النقد. الصور المهمة منها في نظري هي أن يمنع السلطان التعامل النقد مع وجود ذلك النقد في بلدان أخرى وعند الصيارفة، وقلت: إن هذه الصورة تنطبق على الواقع المعاصر، وأعطيت مثالًا منها، إلا أن حلها سهل؛ لأن السلطان في هذه الحالة يعطي دائمًا –في الحقيقة وليس في العادة- سعرًا للتعادل لا بد منه. فيحل الأمر بسعر التعادل. ومع ذلك هنالك أنواع من الحالات التي لا يمكن فيها أن يبت بسعر التعادل، فالتزام قديم، استحق بعد وقت طويل من مضي سعر التعادل ومن انتهاء الفرصة التي أعطاها الحاكم للمعادلة بين العملتين، القيمة التي ألغاها والجديدة، ماذا يفعل بهذا؟ مثل المهر (مؤجل المهر) . اقترحت أنه ينبغي أن تعالج هذه الأمور بفتوى جديدة وذكرت –في نظري- الأسس التي ينبغي أن تلحظ في ورقتي.

شيء أريد أن أؤكد عليه بصورة أرجو أن تتضح. إن التضخم بطبيعته وبفطرته لا يعني أبدًا ارتفاع جميع الأسعار بنفس النسبة، ولو كان كذلك لكان الأمر سهلًا جدًّا، وهي صورة من صور الانقطاع –في الحقيقة- في العملة كما حصل بالفرنك الفرنسي عندما ألغي الفرنك القديم ووضع بدلًا منه فرنك جديد. كل المعاملات تنتقل إلى العملة الجديدة بنفس النسبة ولا يؤثر ذلك على شيء قديمه وحديثه، مستحقة أم غير مستحقة. المشكلة هي أن التضخم يؤثر على العملات والسلع والديون بأشكال مختلفة، فيترك بعضها لا يؤثر عليه كالدين الذي لا يستحق الآن ويستحق بعد وقت، أو أنه يؤثر على بعضها بنسبة قليلة فتزداد ١٠ أو ٢٠? بينما تزداد أخرى بثمانين أو مائة أو مائتين أو خمسمائة بالمائة.

فالسلع والخدمات والأسعار المتعددة لا ترتفع بحالة التضخم بشكل واحد. نحن نقول: التضخم هو ارتفاع عام في الأسعار ولكنه لا يعني أن كل سعر يرتفع. بل قد تنخفض بعض الأسعار فعلًا ونقول هناك تضخم مع ذلك. فإذن إذا كان التضخم كذلك ففي نظري كل محاولة لا، نضع قاعدة عامة نقول: إذا حصل تضخم كذا فينبغي أن نفع كذا على جميع المعاملات. هذه القاعدة العامة لا بد لها من بعض الظلم وبعض العدل. لا يمكن أن تعدل في كل الأحوال؛ لأن التضخم ليس واحدًا على جميع السلع. هذه نقطة مهمة أرجو أن نلحظها دائمًا. أقول: إن أي قاعدة عامة للربط ستؤدي إلى بعض العدل وبعض الظلم معًا، فلو ربطنا رأس مال القرض بتغير المعدل العام للأسعار مثلًا وكان المقرض ممن يحتفظ بماله نقدًا في عادته فإن الربط سيعطي المقرض أكثر مما يستحق؛ لأن البديل لديه هو الاحتفاظ بماله نقدًا، وهذا سيعرضه لهبوط قيمة ماله بسبب التضخم حتى دون أن يقرض، فلم نحمل غيره خسارته؟ ولو كان المقترض صاحب دخل نقدي مما لا يزداد مع التضخم أو بنسبته وهو يدفع دينه منه لكان في الربط ظلم عليه ولتجاوز مقدار دينه جميع قدرته على الوفاء بأضعاف، وهنا يكون الربط أسوأ بكثير وبشكل غير معقول من أي نسبة للفائدة مهما كبرت.

<<  <  ج: ص:  >  >>