للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما الغلاء والرخص فإنهما –أيضًا- قد حدثا في القديم وهما يحدثان في الوقت الحاضر. ولكنها مسألة تتعلق عند الفقهاء القدامى بالديون المعقودة بالفلوس أو الدراهم المغشوشة فقط؛ لأن الغلاء أو الرخص عندهم مرتبط بعلاقة تلك النقود بالذهب والفضة وليس بالمستوى العام للأسعار ولا بأي معيار آخر يتعلق بالقوة الشرائية، فإنهم لم يعرفوا ذلك. وقد أجمعوا على أن الديون إذا انعقدت بالدرهم أو الدينار إنما يرد المدين مثلها غلت أو رخصت، واختلفوا في الفلوس والدراهم المغشوشة، فقال أكثرهم ترد بالمثل. ولكنهم لا يوجد عندهم مفهوم للقوة الشرائية للنقود. ومن ثم فإن من يريد أن يبني على كلام الفقهاء القديم المتعلق بالرد بالقيمة حكمًا يتعلق بالنقود الورقية وربطها بالقوة الشرائية فهما أمران مختلفان لا علاقة بينهما.

إن التضخم يؤدي إلى التظالم بين الناس، ولا ريب أن هذه مسألة تحتاج إلى نظر ولكن المشكلة أنها تحتاج إلى اجتهاد جديد؛ لأن كلام الفقهاء القدامى يتعلق بنظام نقدي مختلف تمام الاختلاف عن النظام النقدي المعاصر.

وإن الربط بالقوة الشرائية أو بمؤشر القوة الشرائية المسمى مؤسسة ارتفاع السلع.. كما يسمونه باللغة الإنجليزية، أو أنواع المؤشرات الأخرى فيه مشكلات كثيرة تجعله لا يعول عليه في تحقيق العدالة، ذلك أنه أولًا مؤشر تصدره جهة رسمية في كثير من الأحيان يكون لها توجهات سياسة وأغراض، وهذه الجهة الرسمية التي هي الحكومة هي أكبر مستفيد من التضخم ولذلك فإنها تتحكم فيه بما يؤدي إلى انتفاعها باتجاه الأسعار. والأمر الثاني أن الأسعار في العصر الحديث لا تتجه إلا إلى الارتفاع. لم نعهد حالة منذ خمسين سنة اتجهت فيها الأسعار إلى الانخفاض. نعم، أنا أتحدث عن المستوى العام للأسعار وليس أسعار أفراد السلع، ربما يحدث أحيانًا أن يكون الارتفاع كبيرًا فاحشًا وريما يكون ارتفاعًا معقولًا وقليلًا، ولكن الاتجاه العام هو إلى الارتفاع. فإذا ربطنا الديون والالتزامات بمؤشر تكاليف المعيشة فنحن نعلم من الآن أن هذه الديون سوف ترتفع ولا تنخفض، وسوف تزيد ولا تنقص. فإذن ما الفرق بين هذه والقول بجواز الفائدة؟ لا فرق أبدًا. إن القول بالربط القياسي وربط الديون بمؤشر تكاليف المعيشة لا يختلف في مآلاته البتة عن القول بجواز التعامل بالفائدة الربوية، بل إنه أسوأ من ذلك؛ لأن الفائدة الربوية في كثير من الأحيان هي أقل في معدلها عن معدل التضخم. فإذن يجب أن نكون على أقصى درجات الحذر؛ لأن هذا مزلق يمكن أن يؤدي إلى القول بجواز الربا، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك، لكن هذه المسألة تحتاج إلى نظر.

<<  <  ج: ص:  >  >>