بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فإن حياة الناس المعاصرة لم تختلف في شيء كاختلافها عن القديم في مجال التجارة والتمويل والنقود وما إلى ذلك من أمور الاقتصاد. وقد كان الناس قديمًا يعيشون في مجتمعات تكاد تكون مفتوحة على بعضها البعض فتتدفق الأموال والنقود من بلد إلى آخر، وكان الناس يتعاملون في البلد الواحد بأجناس من النقود. وهذا كان معروفًا حتى عهد قريب في الجزيرة العربية. ولذلك عندما يدخل الناس في عقود البيع وتترتب الديون والالتزامات ربما تكون بعملة ثم إن هذه العملة إذا حان وقت سداد هذا الالتزام لا تكون موجودة، ولكن لا يعني ذلك أنه لا يكون هناك نقود، فالناس لا يمكن أن يكونوا بدون نقود، وهنا جاء مفهوم الكساد. فالكساد الذي تحدث عنه الفقهاء قديمًا ليس له تعلق بواقعنا المعاصر؛ لأنه في الوقت الحاضر كل بلد له عملة واحدة فقط والقانون لا يعترف إلا بهذه العملة، ولا يتعامل الناس إلا بها، وأي معاملة أخرى بعملة أخرى لا تكون محترمة من قبل القانون. فمن هذا المنطلق فإن مفهوم الكساد كما ورد عند الفقهاء القدامى لا يمكن أن يستمد منه في وقتنا الحاضر، حكم يتعلق بالأوراق النقدية. هذا فيما يتعلق بالانقطاع. فإذا جئنا إلى موضوع كساد النقود وهو إبطال التداول بأنواع منها وجدنا أن هذا ربما يحدث في وقتنا الحاضر، فتأتي الحكومة فتبطل التعامل بعملة معينة ولكن بين ما يحصل في وقتنا وما كان يحصل في القديم اختلاف كبير، فالحكومة عندما تبطل المعاملة بعملة في هذا الزمان فإنها تقوم بإعلان العلاقة بين العملة الجديدة والقديمة، وفي كثير من الأحيان تعطي الناس وقتًا يقومون باستبدال ما عندهم من القديم بالجديد، بل إنه حتى في البلدان التي انهارت كمثل يوغسلافيا –على سبيل المثال- أو الاتحاد السوفيتي عندما ظهرت العملة الجديدة تساوي كذا من العملة القديمة. فجعلت للناس مقياسًا للديون والالتزامات عليهم. فما يحصل في الوقت الحاضر مختلف تمام الاختلاف فيما يتعلق بهذه المسألة عن ما كان يحصل في القديم. فكساد النقود الذي تحدث عنه الفقهاء قديمًا يختلف عن كسادها في الوقت الحاضر.