هذا الموضوع موضوع في غاية الأهمية ولاقى قرار المجمع السابق في دورته الرابعة نقدًا كبيرًا في كثير من الأوساط العلمية، وهو الذي دفع المجمع أن يعيد النظر في هذا الموضوع وأن يستكتب العديد من الاستكتابات العلمية في هذا الموضوع على ضوء ما جرى في الدورة السابقة. وهذه قضية أظن يجب أن ننتهي منها، ليس في هذا الموضوع إنما في أي موضوع آخر تحدث فيه مستجدات جديدة. فإعادة النظر في موضوع أخذنا فيه قرارًا أمر لا حجر علينا فيه ما دام أن الذي يتخذ القرار هو المجمع نفسه، وهذا شأن علمائنا على مستوى الاجتهاد الفردي فيجب أن يكون هذا شأن علمائنا على مستوى الاجتهاد الجماعي، بل هذا أدعى لذاك؛ لأن الذي يتخذ القرار هو المجمع ولا يجوز لأحد أن يغلق باب الاجتهاد في قضية بحجة أننا قد اجتهدنا فيها سابقًا، ولعل في الأمر جديدًا، فلذلك لا بد في الواقع من ألا نصادر أمرًا نملكه نحن.
المجمع ليس ملزمًا من جهة أخرى للبحث، المجمع هو الذي يتخذ قراره وهو سيد نفسه ولذلك لا يمكن في الواقع أن يحتج علينا بأن هذا الأمر أمر نظام.
لكن معالجة هذا الأمر له نظام، يعني يقدم اقتراح للمجمع وهنالك أدوات لتقديم الاقتراح للمجمع وينظر فيه فإذا أخذ قرارًا بإعادة النظر كان هذا حقه ولا يصح لأحد أن يعترض على استخدامه لحقه. هذا أمر من حيث الشكل.
الموضوع أيها الإخوة موضوع في غاية الأهمية وقد تقع فيه بعض الإشكالات التي تدفع إلى نوع من التوجه في المعالجة ويخفي قضايا أساسية. نحن أمام وضع جديد. هذه العملة نقودنا الورقية اليوم لها وضع جديد لا نستطيع أن نقول: إنها تشبه عملاتنا الورقية قبل إلغاء غطاء الذهب، ولا نستطيع أن نقول: إنها تشبه عملاتنا السابقة من ذهب وفضة وفلوس رائجة أو غير رائجة. تفضل الإخوة الباحثون ولا أريد أن أكرر ما قالوه في هذا المجال لكن أريد أن أتكلم في الخطوط العامة، لا بد في الواقع أن نتوجه إلى أن نقرر العدل في هذا الأمر وأن نقرر ما عليه نصوص الشريعة، ويدفعنا لهذا القرار أن هذا أمر حادث لم يعرفه فقهاؤنا. فلا تعالجه عملية قياس ولا عملية استدلال بنص فقهي سابق ولا يمكن في الواقع أن نقول: إن ما نحن فيه الآن فيما يتعلق بموضوع النقود الورقية وما فيها من تضخم أنه أمر قد سبق في العصور التي عايشها فقهاؤنا وعالجوها في السابق. لكن كيف نعالج: أنا لا أنكر أن هذا الأمر ليس سهلًا ويجب أن نضع له من الضوابط ما يمنع أن يكون ذريعة لأمر منعته الشريعة أو حرمته وهذا شأن الفقيه الواعي يضع من الضوابط لما يخرج به من آراء وما يصون هذه الآراء من أن تستخدم ذريعة لفساد أو ذريعة لحرام. القضية هي: أنا لي حق لديك، وضعت هذا المعيار لتقديره، هذا المعيار لتقديره يجب أن أنظر لدوره في تلك الفترة عندما قررته كأداة لتقدير هذا الحق. إذن الذي ثبت في الذمة ليست هذه الأوراق المطبوعة باسم معين أو بشكل معين. الذي ثبت في الذمة هو التزام مالي معين كانت الأوراق النقدية مؤشرًا عليها وأداة للتعريف به. فالأصل هو ذاك، الالتزام المالي الذي ثبت في الذمة؛ لأن الأوراق هذه ما هي إلا معايير ومقاييس لتحديد الالتزامات. فكيف نترك الأصل ونتمسك بالفرع أو بالصورة أو بالمعبرة عن الأصل؟ هذا الأمر ليس سهلًا. كيف نريد أن نحدد قيمة هذه الالتزامات؛ لأن هذا النقد الدينار الفلاني أو الليرة الفلانية أو الجنيه الفلاني كان تقديره بتلك الأداة، الأداة الآن فقدت اعتبارها أو فقدت جزءًا كبيرًا من اعتبارها، كيف نستطيع أن نقدر قيمة الالتزام حقيقة في ذلك الوقت؟ هذا الذي نريد أن نجتهد في البحث عن أدوات له.