ثانيًا: بنصوص الفقهاء عند كساد النقود أو انقطاعها حيث توجد نصوص لجماعة من الفقهاء تدل على اعتبار القيمة يوم العقد، ولا سيما النصوص عند أبي يوسف وبعض المالكية وبعض الحنابلة وشيخ الإسلام ابن تيمية. والنصوص موجودة في أغلب البحوث التي في متناول الأيدي خاصة بحوث فضيلة أستاذنا الدكتور حسن الشاذلي حيث أورد نصوص الطرفين وكذلك بحث فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، وكذلك البحوث الأخرى حقيقة.
ثالثًا: إن معظم البحوث وبالأخص بحوث إخوتي الكرام الدكتور محمد علي القري والدكتور منذر قحف وبحثي، قد ركزت هذه البحوث على نقطة في غاية الأهمية وهي أن نصوص الفقهاء السابقين التي استشهد بها الطرفان إنما هي في النقود المعدنية، أو في الفلوس والذهب والفضة المغشوشة أو نحوهما، وليست في النقود الورقية التي لم تكن موجودة في عصرهم. إذن فالخلاف –في نظري- في فقه التنزيل، أي تنزيل هذه النصوص الفقهية على واقعنا، حيث إن نقودنا الورقية نسيج عصرها لم تعرف من قبل بهذه الصورة وإن قيمته الحقيقية في سعرها، وفي ثقة الناس بها، وحتى ابن عابدين –رحمه الله- فرق بين النقود الذاتية التي قال في حقها: إنها يقوم بها غيرها. أما النقود الاصطلاحية كالفلوس فهي تقوم بغيرها.
وقد ذكرت في حثي –أيضًا- نقطة أخرى وهي قاعدة المثلي والقيمي، وذلك لأنني وجدت تركيز الجميع على مثلية النقود. ولذلك لا بد أن تذكر هذه القاعدة بتفاصيلها، فذكرت هذه القاعدة بتفاصيلها ولا سيما في كتاب مستقل في جميع أبواب الفقه، فوجدت أن المعيار لقضية المثلية هي العدالة. ولذلك يختلف لفظ المثلية من باب إلى باب حسبما يحقق العدالة. وأن الذهب نفسه في بعض الأحيان حينما يدخل فيها تغيير وحينما تدخل فيها أمور أخرى قد تتحول من مثلية إلى قيمية. وهناك تفاصيل لا أريد أن أذكرها هنا.
رابعًا: استدل فضيلة الشيخ الزرقا بنظرية الظروف الطارئة وأفاض فيها وهي في بحثه الموجود بين أيديكم.
هذان هما أيها الأساتذة الأجلاء الاتجاهان، فعلى ضوء اتجاه بحث الأستاذ الدكتور علي السالوس لا حاجة لنا بذكر مقدار التضخم وكيفيته مع أنه حقيقة قد ذكر ذلك في بحثه لأنه لا يعطي له دورًا في رد الديون. ولكن على ضوء البحوث الأخرى لا بد من ذكر ذلك وهي النقطة الثانية التي نذكرها ونختم بها عرضنا.
مسألة التضخم أو المعيار للتضخم والكساد بعض البحوث ذكرت أن هناك التضخم العائد البطيء فهذا لا يلاحظ. البطيء بحيث يكون في السنة نسبة ٤ % أو ٥ % أو ٦ % مثلًا، يعني هذه الأمور أو الفروق البسيطة لا قيمة لها. أما بعض البحوث فبنى على قضية التضخم نظرية الغبن الفاحش واعتبر ٣٠ % بداية للتضخم أو للكساد. فإذا انتقصت قيمة النقود بنسبة ٣٠ % فإن هناك تضخمًا يجب مراعاته وكذلك بالنسبة للكساد. أما كيف نعرف أن هذه النقود الورقية قد انخفضت قيمتها، هناك عدة معايير ذكرتها الأبحاث، وهناك معايير لمعرفة التضخم ذكرها معظم البحوث مثل معيار الربط القياسي، ومعيار الربط بمؤشر تكاليف المعيشة، ومعيار الربط بالذهب، ومعيار الربط بسلة السلع ومعيار الربط بسلة العملات، كل ذلك وسائل لمعرفة نسبة التضخم والكساد. ومن البحوث من رجح الربط بين النقود وسعر الذهب من حيث ملاحظة وقت نشوء الالتزام ووقت الأداء والقضاء. فالفرق بينهما ينظر فيهما، فلو كان قبل عشر سنوات إلى يومنا هذا انتقصت قيمتها بنسبة ٣٠ % أو أي نسبة من المعايير حينئذ تلاحظ وإلا فلا. وأعتقد أن نظام الوحدة النقدية في البنك الإسلامي للتنمية –وهو قائم على سلة العملات وتسمى بالدينار الإسلامي- يمكن أن يكون أحد الحلول الجيدة.