ثم إن بحث المجمع الموقر قضية لا يعني أن باب الاجتهاد قد أغلق تمامًا وبالأخص في القضايا الاجتهادية التي تتجدد صورها يومًا بعد يوم وتتضح أبعادها يومًا بعد يوم، وإنما علينا أن نحترم قرار المجمع ثم نناقشه في المجمع نفسه لنصل إلى رأي آخر إن كانت الاجتهادات الجديدة تفضي إلى ذلك ونقول كما قال الخليفة الثاني عمر –رضي الله عنه وأرضاه- ذلك على ما علمنا وهذا على ما نعلم.
يقول سماحة الشيخ الجليل محمد المختار السلامي: إن هذا الموضوع قد نظر فيه المجمع في دورته الثلاثة وقدم فيه تسعة من الباحثين الجلة دراسات قيمة، ثم عرض الموضوع في الدورة الخامسة وقدم فيه اثنا عشر بحثًا، ورغم الجهد المبذول فإن المسألة –الكلام لفضيلة الشيخ- ما تزال مطروحة وما زال الاقتناع العام بقرارات المجمع لم ينفذ نفاذ القبول العام. انتهى.
بعض البحوث أولت عنايتها بتعريف التضخم والكساد وفصلت فيه، ولكن الخلاصة هي أن التضخم هو أن تقل قيمة النقود فتزداد الأسعار بسبب زيادة النقود أو غيرها. وأما الكساد فيقصد به الانخفاض في مستوى الأسعار وتزداد قيمة النقود زيادة خطيرة، والكساد يأتي من الناحية الاقتصادية كآخر مرحلة للانكماش الذي يعني انخفاض المستوى العام للأسعار وارتفاع قيمة النقود. لا نخوض فيها في الفكر الاقتصادي المعاصر، والبحوث أمامكم فيها هذه التفاصيل. وأما في الفقه الإسلامي فلدينا مصطلحات خاصة قد يختلف معناها عن ما هو اليوم، حيث نجد أمامنا هذه المصطلحات الآتية: رواج العملة، كسادها وانقطاعها. كما نجد عند ابن عابدين مصطلح النقود الذاتية والنقود الاصطلاحية. والتذكير بمعاني هذه المصطلحات هنا على الرغم من يقيني بأن أصحاب الفضيلة والسعادة لديهم العلم الكامل بهذه الأمور ولكني من باب التذكير أذكر بعض هذه المعاني، فرواج العملة في الفقه الإسلامي يعني أن العملة لها قيمتها المرسومة بصك السلطان وأن الناس يتعاملون بها. وأما المراد بكساد العملة في كتب الفقه الإسلامي القديمة ولا سيما عند الحنفية هو أن تترك المعاملة بهذا النقد في جميع البلاد. فالمراد بكساد العملة هو ترك المعاملة بها في جميع البلاد. وأما انقطاع العملة فهو عدم وجوها في السوق وإن وجدت عند الصيارفة وفي البيوت هذان المصطلحان يستعملان عند الحنفية بكثرة، في حين أن العلامة المالكي الرهوني يستعمل بطلان الفلوس أو فسادها، وكلمة الكساد والانقطاع دون ذكر تعريفات محددة لها. والإمام النووي الشافعي يستعمل كلمة الانقطاع بمعنى عدم وجود النقد مطلقًا، كما يذكر حالة إبطال السلطان المعاملة بالعملة حيث إنها لا تقتضي عدم وجودها في السوق.