للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخاتمة

إن النقود المعاصرة تقوم بجميع وظائف النقود التي عرفها عهد التشريع الإسلامي الأول، والتي تحدث عنها الفقهاء حديثًا مفصلًا، فيما بعد، فهي ثمن تجري فيه أحكام الذهب والفضة، فتجب فيها زكاة الذهب والفضة، وتجري فيها أحكام الربا.

ولكنها في الوقت نفسه تختلف عن المعدنين الثمينين، اختلافًا كبيرًا، حاولت بيانه في هذه الورقة. وهو اختلاف لم يره حتى متأخرو الفقهاء مثل ابن عابدين، وهي وإن كانت اصطلاحية مثل الفلوس، والدراهم المغشوشة، إلا أنها تفترق عنها، افتراقًا جوهريًّا أيضًا. فالنقود المعاصرة يمكن اعتبارها عديمة الكلفة من حيث إصدارها، ونقلها، وخزنها، وللسلطة فيها دور كبير لم تكن للحاكم، فيما يتعلق بالفلوس، ولا بالدراهم المغشوشة.

كل ذلك يترتب عليه أن التضخم النقدي المعاصر يختلف اختلافًا جوهريًّا عن رخص الفلوس والدراهم، وكسادها، وانقطاعها الذي تحدث عنه الفقهاء، سلفهم وخلفهم على حد سواء، وإذا كانت بعض صور الرخص والغلاء، في النقود المعاصرة، تشبه في أسبابها، وأغراضها بعض الصور التي حصلت في الماضي، فإن هنالك صورًا جديدة للتضخم، لم تعرف في الماضي، لا من حيث نسبة ارتفاع المستوى العام للأسعار، ولا من حيث الأسباب الراجعة إلى السلطة الحكومية، فعلًا وامتناعًا، ولا من حيث تشعب وتعقد الظاهرة التضخمية، وآثارها الاجتماعية والاقتصادية.

وإذا كان ابن عابدين يعتبر من الضرر، الذي لا يقبل، إلزام المشتري بدفع فرق ٣٠ % في سعر صرف، بين نقد كاسد ورائج، (١) فإن معدلات التضخم صارت اليوم كبيرة جدًّا.

والأهم من ذلك أننا، عندما نتحدث عن ارتفاع الأسعار، فإن الاقتصاديين كثيرًا ما يذكرون المعدل السنوي للتضخم، في حين أن ما يتعلق بالالتزامات والحقوق الآجلة، هو المعدل التراكمي بين تاريخ العقد أو القبض وتاريخ السداد. وقد لاحظنا الفرق الكبير بين هذين المعدلين.

وإذا رأينا بعض الفقهاء يمنعون القرض بالدراهم المزيفة، أو الزرنيخية، ولو تعامل الناس بها، باعتبارها مالًا غير معلوم، لا يمكن المقترض من القضاء، (٢) فإن النقود الورقية، في حالة التضخم العالي، متوقعًا أو غير متوقع، أقل معلومية من الدراهم المزيفة بكثير.


(١) حاشية ابن عابدين ج ٤ ص ٣٥
(٢) من ورقة علي أحمد السالوس المقدمة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة، ١٤٠٩ هـ، مجلة المجمع، العدد الخامس، الجزء الثالث، ص ١٧٣٥، نقلًا عن الصيمري.

<<  <  ج: ص:  >  >>