للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإذا منع ابن تيمية السلطان من الاتجار بالفلوس، (١) والاتجار بها هو تقليل ما فيها من معدن، عن قيمتها الاصطلاحية، فإن النقود المعاصرة واقعة بكاملها تحت رحمة، أو قل: تحت عسف أو قسوة، السلطة النقدية، والمصارف أيضًا. والتغييرات السلطوية التي تجري في النقود المعاصرة، أكبر، وأبعد أثرًا من الاتجار بالفلوس، الذي كان يقع في الماضي، من قبل بعض السلاطين.

وإذا افترضنا أن الفلوس التي تحدث عنها الفقهاء كان فيها من المعدن ما يساوي قيمتها الاصطلاحية، عند صكها، فإن استمرار وجود الفلوس في السوق، وتعامل الناس بها، وهو ما سماه الفقهاء بالرواج، يعني أن قيمتها السلعية بقيت تتراوح حول قيمتها الاصطلاحية، إذ لو زادت قيمتها السلعية عن قيمتها النقدية، لأذابها الناس، واستعملوها سلعة، ولو نقصت لتهرب الناس من التعامل بها إلى أن يتغير سعر الصرف، فتعود المعادلة، أو المقارنة بين سعرها النقدي وسعرها السلعي، يحصل ذلك بسبب وجود نقود أخرى إلى جانبها، وعلى ضوء ذلك، أرى أن عبارات بعض الفقهاء ينبغي أن تفهم ضمن هذه الأوضاع والفرضيات التي كانت هي السائدة في عصرهم، ومن هذه العبارات أن الفلوس كانت من أفضل النقود، وأكثرها رواجًا في بعض البلدان، كما أن منها وجوب المثل رغم عدم وجود النقد، وانعدامه؛ لأن للمثل قيمة سلعية، وإن انعدمت قيمته النقدية، وما طرأ من رخص أو غلاء بين العقد أو القبض، والسداد، هو من المخاطر العادية التي يتعرض لها الناس دائمًا، حتى لو كانت سلعته ليست نقدًا (ومن هنا نجد المقارنة مع دين السلم الذي هو سلعة بالتعريف) . ومن دون هذه الفرضيات، كيف يعقل أن يفتي الفقيه بمثل لا وجود له مطلقًا؟

وتؤكد هنا أن هذه الفرضيات، لا توجد في النقود المعاصرة.

إذ ليس لهذه النقود أية قيمة البتة، إذا فقدت ثمنيتها، فهي ليست ثمنًا بالخلقة كالذهب والفضة، وليست سلعة بالخلقة كالفلوس، والزيوف.

وأخيرًا، أرجو الله العلي القدير، أن أكون قد أجبت على أهم التساؤلات المتعلقة بما طلب إلي من بحث، وأن أكون قد قدمت ما يوضح الموضوع، ويسهل مهمة الوصول إلى الفتوى الشرعية الواعية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الدكتور منذر قحف


(١) من ورقة علي أحمد السالوس المقدمة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة، ١٤٠٩ هـ، مجلة المجمع، العدد الخامس، الجزء الثالث، ١٧٢٥ نقلًا عن الصيمري.

<<  <  ج: ص:  >  >>