وبالتالي، فإذا تعاملت كل المصارف بالوسائل الإسلامية، فإن مسألة تأثير التضخم تكون غير مطروحة، إلا في هاتين الحالتين فقط. (١) وهما مما يستدعي نظر الفقيه، بقصد تقرير العدل، الذي لا ترضى غيره الشريعة.
٣- قد يمكن التجاوز عن كثير من أحوال التضخم القليل أو البطيء؛ لأنه مما يتغابن الناس بمثله، وبخاصة في الآجال القصيرة، حتى في القروض، ولكن التضخم العالي يصعب غض النظر عنه. وبخاصة، أننا في مسألة الحقوق والالتزامات الآجلة، لا بد لنا من النظر إلى المعدل التراكمي للتضخم بين نقطتين زمنيتين، هما: تاريخ العقد، وتاريخ السداد، وبالتالي، ففي كل حالة تحتاج إلى نظر فقهي، قد يمكن التجاوز عن المعدل التراكمي القليل، والتركيز فقط على المعدلات التراكمية العالية.
أما ما هو المعدل الذي يتسامح فيه، فهو أمر ينبغي أن يحدد على ضوء ما يمكن القياس عليه، من حالات الغبن الفاحش، والربح الفاحش، وما شابههما.
٤- إن طول المدة بين العقد والسداد، لا تؤثر فقط في ارتفاع المعدل التراكمي للتضخم، وإنما تؤثر أيضًا على التوقعات. لأنه، حتى مع فرضية الرشد الاقتصادي، فإن توقعات المتعاملين تكون أكثر جزافية، كلما بعد الأفق الزمني للتوقع، وبالتالي فإن طول المدة، يصعب معها اعتبار التوقع في التضخم. ففي آجل المهر، إذا استحق بعد وقت طويل من العقد، يصعب افتراض رشد التوقع في التضخم في تحديد مقدار الجزء المؤجل من المهر.
ويضاف إلى ذلك بأن أنواع المعاملات، تختلف درجة مرونتها، بالنسبة للتضخم المتوقع، بسبب وجود عوامل اجتماعية كثيرة فيها. فالزواج أقل مرونة من البيع بثمن آجل، بالنسبة للتضخم المتوقع. وبالتالي، ففي حين يمكن الافتراض بأن الثمن الآجل يتحدد، مع اعتبار التضخم المتوقع عند العقد، في كل آن، نجد أن المهور تتزايد بأسلوب القفزات، وليس بشكل تدريجي، أي أن الناس يحتاجون لفترات زمنية طويلة حتى يعدلوا من المهر الذي يرغبون بالتعاقد عليه.
ويضاف إلى ذلك أيضًا المصاعب، المتضمنة في فرضية الرشد الاقتصادي نفسها، مما أشير إليه سابقًا.
(١) وبخاصة أنه يمكن القول: إن الرشد الاقتصادي يفترض تحديد نسبة اقتسام الأرباح، في حالة التضخم المتوقع، بحيث تسلم القيمة الحقيقية المتوقعة لرأس المال، قبل ظهور الربح، وإن كل الفوارق بين التوقع الواقع، بعد الحدث، هو مما يتحمله المتعاملون من مخاطر.