ثم إن الإمام الغزالي أوضح لنا وظيفة أخرى للنقود هي: أنها مخزون للثروة، حينما قال:"لأنهما عزيزان في أنفسهما، فيمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوباً، فإنهم يملك إلا الثوب".
وكل من هؤلاء الفقهاء، وغيرهم أشاروا إلى معيارية النقود، وبذلك اتضح لنا أن كل ما قاله علماء الاقتصاد الحديث لم يخرج عما قاله هؤلاء الفقهاء المسلمون قبل عدة قرون.
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن النقود الذهبية والفضة تقوم بكل هذه الأدوار، وهذه الوظائف الأربع، وأما نقودها الورقية اليوم، فهل هي تقوم بجميعها؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا البحث.
وأما علماء الاقتصاد الحديث فقد ذكروا عدة تعريفات للنقد، نختار منها تعريفه باعتبار وظائفه، وهو: النقد: ما يستخدم وسيطاً للتبادل، ومقياساً للقيم، ومخزوناً للثروة، ومعياراً للمدفوعات الآجلة من الديون (١) ولنشرح بإيجاز شديد هذه الوظائف.
فالمراد بكونه وسيطاً للتبادل: أن عملية التبادل بين السلع تتم من خلال النقود بسهولة، وذلك، لأن نظام مقايضة سلعة بغيرها يستلزم تطابقاً مزدوجاً في الحاجات، وهذا قد يتعسر، بل يتعذر –كما شرح ذلك الإمام الغزالي من قبل.
ومعنى كونه مقياساً للقيم: كل سلعة يمكن أن يعبر عنها بالثمن في شكل عدد من الوحدات النقدية المستخدمة، ولا يخفى أن ذلك يسهل كثيراً من مشكلة قياس القيم التبادلية للسلع في السوق، فمثلاً المجتمع القطري يعرف من خلال النقد سعر منزله، وسيارته وهكذا.. فالنقود هي المعيار المشترك بين مختلف السلع التي يمكن قياس قيمتها بعدد من الوحدات النقدية، فهي بمثابة الكيل والوزن للمكيلات والموزونات.
والمراد بكونه مخزوناً للقيم والثروة: أن الإنسان يخزن ثروته، أو جزءاً منها لفترة زمنية قد تكون بعيدة المدى، لمواجهة الطوارئ المحتملة في المستقبل ويتم ذلك من خلال اختزان النقود التي لا يطرأ عليها تغيير، أو تلف في الغالب، ولذلك كانت المجتمعات السابقة تدخر ثرواتها من خلال الذهب والفضة. (٢) ومعنى كونه معياراً للمدفوعات الآجلة: أن العادة جارية في أن الناس يتعاقدون في الحقوق والالتزامات الطويلة الآجال عن طريق النقود، وليس عن طريق السلع.
ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أن هذه الوظائف الأربع مجتمعة ليست بمثابة الأركان التي لو تخلف واحد منها في نقد ما لفقد نقديته، بل إنها كل وظائفه، (٣) ولذلك تكون متكاملة في المجتمع الذي يسوده الاستقرار الاقتصادي، وتكون ناقصة عند الاضطراب والتضخم، بل قد يفقد قيمته بالكامل في بعض الأحيان " فإذا ما عجزت النقود المتعارف عليها عن القيام بإحدى هذه الوظائف، فإنه تفقد خاصيتها، ويلجأ الأفراد إلى وسيلة أخرى، أو وسيط آخر يقوم بهذه الوظائف، ففي حالة الانهيار المفاجئ لقيمة النقود، فإنها تفقد ميزتها، أو وظيفتها كوسيلة للمعاملات الآجلة، ومن ثم تفقد كذلك وظيفتها كوسيلة الاحتفاظ بالثروة، أو لاختزان القيمة"(٤) أما الذهب والفضة فلم يحدث أن فقدا قيمتهما نظراً لما يتمتعان به من خصائص لا توجد في النقود الورقية.
(١) يراجع: د. أحمد عبده: الموجز في النقود والبنوك، ط. دار الكتاب الجامعي سنة ١٩٧٨ ص (١٩) ؛ ود. محمد يحيى عويس: مبادئ علم الاقتصاد، ط. دار النصر للطباعة سنة ١٩٦٩ ص (٢١٨) ؛ ود. إسماعيل هاشم: مذكرات النقود ص (٣٣) ؛ ود. علي السالوس: استبدال النقود والعملات، ط. مكتبة الفلاح ص (١٧-٢١) (٢) المصادر السابقة، يراجع: د. محمد يحيى عويس: المصدر السابق ص (٢٨٦) . (٣) ويرى بعض الاقتصاديين أن الوظيفتين الأوليين للنقود (وهما وسيط للتبادل ومقياس للقيم) وظائف أصلية، أما الأخيرتان فيمن الوظائف المشتقة منهما، انظر د. أحمد عبده: المصدر السابق ص (١٩) . (٤) د. محمد يحيى: المصدر السابق ص (٢٨٧)