والذي يظهر لي رجحانه هو أن كل ما ناله ثقة الناس في التعامل به وأصبح ثمناً ومعياراً للأموال فهو نقد يجري فيه الربا وتجب فيه الزكاة ولكن ذلك لا يمنع من رعاية القيمة في حالات خاصة –كما سيتضح إن شاء الله- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية، لا الوزن كما قاله جمهور العلماء. والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها، هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب، فإن ذلك إنما يحصل بقبضها، لا بثبوتها في الذمة مع أنها ثمن من طرفين فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى مؤجل، فإذا صارت الفلوس أثماناً، صار فيها المعنى، فلا يباع ثمن بثمن إلى مؤجل" ثم ذكر بأن العاقل لا يبيع الشيء بمثله إلى أجل، ولكن قد يقرض الشيء، ليأخذ مثله بعد حين أملاً في الأجر والثواب العظيم عند الله تعالى، ولذلك فالقرض هو تبرع من جنس العارية، فهو تبرع من صاحبه، ينتفع آخر منه تلك المدة، والدراهم لا تقصد عينها، ثم أكد على أن المقرض يستحق مثل قرضه في صفته من الثمنية والقوة، فقال:"والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته، كما يستحق مثله في الغصب والإتلاف، ومن هنا لا بد من مراعاة الوزن، حتى لا يرد درهماً خفيفاً بدل درهم ثقيل في الوزن"(١)
وقد أوضح ذلك ابن القيم، فقال:"فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع، ولا ينخفض. إذ لو كان الثمن يرتفع، وينخفض – كالسلع - لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثم يعتبرون به المبيعات، حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت، من فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر، وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص، بل تقوم به الأشياء، ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس"(٢)
فقد أوضح هؤلاء الفقهاء بكل دقة ووضوح وظيفة النقود في هذا الوقت المبكر، قبل أن تظهر الأفكار الاقتصادية الحديثة، وقاموا بالتأصيل النظري لقضية العقود، حيث بينوا بأن النقود وسيط للتبادل بين السلع، حيث قال الغزالي:"فهذه الأشياء لا تناسب فيها، فافتقرت إلى متوسط بينهما يحكم فيها العدل، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته، حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب، علم بعد ذلك المساوى من غير المساوى، فخلق الله الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال، حتى تقدر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة من الدينار". كما دل هذا النص أيضاً على أن النقود مقياس للقيم، وأوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:"فإن المقصود من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يتوسل بهما إلى معرفة مقادير الأموال" وقال ابن القيم في توضيح هذه الوظيفة: "والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال"(٣)