وقد ذكر فقهاؤنا عدة وظائف للنقود منها، "أثمان المبيعات، وقيم المتلفات والديات"(١) وشرح الإمام الغزالي بعضها شرحاً رائعاً حيث قال: "ومن نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير، وبهما قوم الدنيا، وهما حجران، لا منفعة في أعيانهما – (أي من حيث ذاتهما، حيث لا ينفعان للأكل والشرب واللباس، وإنما هما للزينة والجمال) - ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه ولملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه، ويملك ما يستغنى عنه، كمن يملك الزعفران مثلاً وهو محتاج إلى جمل يركبه، (أو بالعكس) فلا بد بينهما من معاوضة، ولا بد في مقدار العوض من تقدير، إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين بالزعفران والجمل حتى يقال: يعطى منه مثله في الوزن، أو الصورة، وكذا من يشتري داراً بثياب، أو دقيقاً بحمار، فهذه الأشياء لا تناسب فيها فلا يدرى أن الجمل كم يساويه بالزعفران، فتتعذر المعاملات جدًّا، فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم فيها بحكم عدل، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المنازل، وترتبت الرتب، علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأحوال، حتى تقدر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يسوى مائة دينار، وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة فهما من حيث إنهما مساويان بشيء واحد، إذن متساويان، وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما ولو كان في أعيانهما غرض، ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحاً، ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر، فإذن خلقهما الله تعالى، لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى، هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسهما ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ملكها فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوباً فإنه لم يملك إلا الثوب، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب؛ لأن غرضه في دابة مثلاً، فاحتيج إلى شيء هو في صورته، كأنه ليس بشيء وهو معناه كأنه كل الأشياء، والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات، إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها، كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون، فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض.. فهذه الحكمة الثانية. وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمر خاصة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، فإنهما حجران وإنما خلقا، لتتداولهما الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة معرفة للمقادير مقومة للمراتب. (٢)
(١) بداية المجتهد. مصطفى الحلبي (٢/١٣٠) ؛ وإعلام الموقعين (٢/١٥٦) (٢) إحياء علوم الدين، ط/ عيسى الحلبي (٤/٨٨-٨٩) .