وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية خطورة البخس في النقود والمكاييل والموازين، فقال:"أما بخس المكيال والميزان فهو من الأعمال التي أهلك الله بها قوم شعيب. وقص علينا قصتهم في غير موضع من القرآن، لنعتبر بذلك، والإصرار على ذلك من أعظم الكبائر، وصحبه مستوجب تغليظ العقوبة، وينبغي أن يؤخذ منه ما بخس من أموال المسلمين على طول الزمان، ويصرف في مصالح المسلمين إذا لم يمكن إعادته إلى أصحابه"(١)
هذا وكانت النسبة بين الدراهم والدينار هي ٧: ١٠ أي كل عشرة دراهم تساوي من حيث الوزن سبعة مثاقيل، في حين أن كل دينار مثقال –كما ذكرنا- والمثقال يساوي (٤.٢٥ جرام) والدرهم يساوي (٢.٩٧٥ جرام)(٢) أما من حيث القيمة، فكانت النسبة العشر تقريباً، حيث كان الدينار يساوي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم.. فقد روى أبو داود بسنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:"كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم"(٣)
ولكن هذه النسبة لم تظل مستمرة، حيث ارتفعت النسبة فصارت ١/١٢ أي كل دينار يساوي اثني عشر درهما، حيث روى أبو داود بسنده السابق:"فكان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر فقام خطيباً فقال: ألا أن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفاً"(٤) بل إن هناك بعض الروايات تدل على أن الدية قد بلغت قيمتها في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً اثنى عشر ألف درهم. (٥)
كل ذلك يعني أن الإسلام قد أقر نظام المعدنين، وربط بينهما ربطاً محكماً مما ساعد على ثبات الأثمان، وعدم وقوع الناس في الظلم وهضم الحقوق، كما شدد تشديداً منقطع النظير بخصوص الغش في العملات وكسر سكة المسلمين، وبخسها، لما يترتب عليها من مظالم بشعة، واضطرابات، وهذا ما تنبه إليه بعض علماء الاقتصاد الغربيين أخيراً من خلال قانون (جريشام) القائم على منع وجود العملة الرديئة في الدولة؛ لأنها تطرد العملة الجيدة، وبالتالي تصبح أموال الناس بدون مقابل يذكر (٦) حتى شبه البعض هذه المسألة بأنه: كما أن شرار الناس يطردون خيارهم، فكذلك تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة. (٧)
ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أن السياسة النقدية في الإسلام تقوم على توفير جو الاستقرار للنقود، والنظر إليها، باعتبارها المعايير للأشياء والحاكم على السلع، ومن هنا شدد في تحريم الغش في النقود، وحرم قطعها وكسرها وكل ما يؤدي إلى ظلم الناس وبخس أشيائهم والإضرار بحقوقهم والتزاماتهم، وقد رأينا أن ابن القيم قد ذكر بوضوح أن على الدولة أن تحافظ على الأسعار المستقرة للنقود وألا تجعلها كالسلع، ومن هنا لا يتصور إذا طبقت هذه السياسة أن يحدث تضخم، وذلك أن التضخم –كما يصوره الاقتصاد الحديث- هو بمثابة قطع جزء من النقد، فلو حصل تضخم بنسبة ٥٠? فإن ذلك يعني أن الدولة اقتطعت من هذا النقد ٥٠?.
(١) مجموع الفتاوى (٢٩/٤٧٤) (٢) فقه الزكاة (١/٢٦٠) . (٣) سنن أبي داود -مع العون- كتاب الديات (١٢/٢٨٤) . (٤) سنن أبي داود -مع العون- كتاب الديات (١٢/٢٨٤) . (٥) سنن أبي داود –مع العون- (١٢/٢٩٠) ؛ والنسائي، كتاب القسامة (٨/٤٤) ؛ والترمذي –مع التحفة- كتاب الديات (٤/ ٦٤٦) (٦) يراجع: د. محمد صالح، أصول الاقتصاد ط. نهضة مصر سنة ١٩٩٣ ص (٣١٥) . (٧) يراجع: د. محمد صالح، أصول الاقتصاد ط. نهضة مصر سنة ١٩٣٣.