وقد ذكر ابن خلدون أن الدرهم والدينار كانا معلومي المقدار، ولكن مقدارهما غير مشخص في الخارج، وإنما كان متعارفاً بينهم بالحكم الشرعي على المقدار في مقدارهما وزنتهما، حتى استفحل الإسلام وعظمت الدولة، ودعت الحال إلى تشخيصهما في المقدار والوزن كما هو عند الشرع، ليستريحوا من كلفة التقدير، وكان ذلك في عهد عبد الملك، حيث شخص مقدارهما وعينهما في الخارج، كما هو في الذهن، ثم أبدى ابن خلدون أسفه على ما وقع من الدول الإسلامية من عدم اتباعها سياسة موحدة بهذا الاتجاه، فقال:"فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، ومن بعد ذلك وقع اختيار أهل السكة في الدول على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم، واختلفت في كل الأقطار والآفاق، ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما الشرعية ذهناً كما كان في الصدر الأول، وصار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكتهم بمعرفة النسبة التي بينها وبين مقاديرها الشرعية (١) فقد أشار ابن خلدون إلى هذه الحقيقة الناصعة في عالم الاقتصاد وهي توحيد الأمة في مكاييلها وموازينها وربطها في ذلك أيضاً بدينها، وهذا ما التفتت إليها الدول المتحضرة، وغزتنا بها، فلو قام المسلمون على مكاييل أهل المدينة وموازين أهل مكة كما أمرهم وأرشدهم إليهما رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، لما وقع كل هذه الاختلافات فيهما، وما كنا نسمع الرطل البغدادي، والرطل المصري، والرطل الشامي وغيرها، بل كانت الموازين والمكاييل ثابتة مستقرة، لما أخذت كل هذه الجهود التي بذلها الفقهاء في هذه الاختلافات فيهما التابعة للبلدان والأزمان، ولكانت مكايلنا وموازيننا هي السائدة في العالم. قال السندي: ".. وكانت الصيعان مختلفة في البلاد.. والدراهم مختلفة في الأوزان في البلاد وكانت دراهم أهل مكة هي الدراهم المعتبرة في باب الزكاة، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بهذا الكلام" (٢)
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة الاختلاف في الموازين والمكاييل، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابهما:((إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم)) (٣) كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مغبة التضخية بهذه المكاييل والموازين، حيث جعلها من علامات الساعة فقال: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها، ودينارها، ومنعت مصر إردبها وديناراها" (٤) فقد تحقق ذلك الآن حيث تركت هذه النقود، والمكاييل والموازين في العالم الإسلامي، وسادت المكاييل والموازين الغربية، وفقدت الأمة هذه الذاتية، إذن فلا بد من العودة إليها ومن هذا المنطلق نفسه دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة بأن يبارك الله تعالى في مكيالهم وصاعهم ومدهم، كما ذكر دعاء إبراهيم لأهل مكة (٥)
(١) المقدمة ص (٢٣١) (٢) حاشية السندي على سنن النسائي ط. دار البشائر الإسلامية (٥/٥٤-٥٥) . (٣) رواه الترمذي في سننه –مع التحفة- (٤/٤٠٨) . وقال: الصحيح وقفه على ابن عباس، ورواه مرفوعاً الحاكم وصححه (٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن (٤/٢٢٢٠) ، ومسند أحمد (٢/٢٦٢) . (٥) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع (٤/٣٤٥-٣٤٦) ؛ ومسلم في صحيحه (١/٩٩٤) .