ومن هذه المبادئ والقواعد العامة قاعدة ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) التي هي حديث نبوي شريف تلقته الأمة بالقبول، وأصبح من الكليات التي عليها مدار الفقه الإسلامي.
المبدأ الرابع:
مراعاة حقيقة الشيء دون الشكل والاسم فقط، ومن هنا لا بد من رعاية الجانب التاريخي، والمراحل التي مرت بها النقود الورقية، والظروف التي أحاطت بكيفية ظهورها، حيث كانت في البداية بمثابة ورقة توثيق وسند بالذهب المودع عند الصراف، أو البنك ثم تبنتها الدولة بغطاء كامل، ثم بغطاء ناقص، ثم ألغت هذا الغطاء –كما سيتضح فيما بعد- ومن هنا، فما قاله العلماء حولها لا بد من رعاية هذا الجانب التأريخي، فلا نحمل قولهم في فترة زمنية محددة بخصوص النقد الورقي على إطلاقه وعمومه، بل لا بد من ملاحظة هذا البعد التاريخي والظروف التي لابسته.
فعلى ضوء هذه المبادئ العامة، والمقاصد العامة للشريعة، والنصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نسير في إلقاء المزيد من الضوء على هذه المسألة المهمة التي تمس حياتنا المعاصرة، باحثين عن كل مسألة فقهية، تتعلق بها في بطون الكتب الفقهية، مهما كانت متناثرة كي تكون تأصيلاً لها وبمثابة جذور تعتمد عليها.
السياسة النقدية في الإسلام:
عني العلماء المسلمون بالسياسة النقدية وأولوها عناية كبيرة، وناطوها بالإمام ضمن وظائفه السلطانية قال الإمام أحمد:"لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم، فقد منع من الضرب بغير إذن السلطان، لما فيه من الافتيات عليه"(٢) ولما فيه من المخاطر العظيمة، كما أوجبوا على الدولة الإسلامية أن توفر للنقود جوًّا من الاستقرار والثبات، وتبعد عنها كل الوسائل المؤدية إلى اضطرابها وتذبذبها، ولذلك حرم الغش فيها، وشدد في ذلك أكثر من غيره، باعتبار أن النقود معايير للأشياء، فأضرار الغش فيها أكثر خطورة، وأشد ضرراً وإضراراً، يقول ابن خلدون:"ولفظ السكة كان اسماً للطابع، وهي الحديدة المتخذة لذلك، ثم نقل إلى أثرها، وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم، ثم نقل إلى القيام على ذلك، والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة، فصار علماً عليها في عرف الدول، وهي وظيفة ضرورية للملك، إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات، ويتقون في سلامتها من الغش بختم السلطان"(٣)
(١) رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية ص (٤٦٤) ؛ وأحمد في مسنده (٥/٣٢٧) ؛ والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه المطبوع مع المستدرك (٢/٥٧) . (٢) الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى، ط. مصطفى الحلبي ص (١٨١) ؛ وراجع المجموع للنووي. (٣) المقدمة، ط/ عبد السلام بن شقرون بمصر ص (٢٢٩)