قبل أن نخوض في غمار البحث، أرى من الضروري أن نذكر بعض مبادئ تكون ممهدات له وهي:
المبدأ الأول:
أن ما ورد فيه النص الثابت من الكتاب والسنة، الخالي من المعارض المعتبر، لا يجوز الاجتهاد بخلافه تحت أي غطاء "فلا اجتهاد مع النص" لأنه الأصل وما عداه الفرع، فلا ينبغي أن يعارض الأصل بالفرع، ولكن ذلك لا يمنع من الاجتهاد في النص من حيث الدلالات والمعاني والعلل المعتبرات.
ولما كانت النقود الورقية حديثة العهد، لم تكن موجودة في عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء، وإنما ظهرت في عصرنا الحاضر، لذلك فباب الاجتهاد فيها مفتوح على ضوء القواعد العامة في فقهنا الإسلامي العظيم، ومن هنا فوجود الآراء السائدة فيها سواء كانت على شكل رأي فردي، أو رأي بعض مجامع فقهية، لا يمنع من طرح هذه القضية مرة أخرى لا سيما إذا صاحبتها ظروف وملابسات جدية لم تكن موجودة، أو لم تظهر بشكلها الحالي من قبل، للوصول إلى تأصيل الرأي المختار من خلال الأطر العامة والقواعد الكلية للشريعة الغراء، مع ملاحظة ما جد فيها من أمور لم تكن موجودة من قبل.
المبدأ الثاني:
إن الاجتهادات المبنية على المصلحة تدور معها وجوداً وعدماً، وقد عقد ابن القيم لها فصلاً في كتابه القيم: إعلام الموقعين، وسرد لذلك أمثلة كثيرة.
المبدأ الثالث:
رعاية المقاصد والمبادئ الأساسية والقواعد الكلية التي انبثقت من الشريعة الغراء مقدمة على رعاية الجزئيات والفروع، ولا سيما إذا كانت اجتهادية، فمن هذه المبادئ: مبدأ العدل وعدم الظلم، الذي جاء لأجله الإسلام قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: ٢٥] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأصل في العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب.. والشارع نهى عن الربا، لما فيه من الظلم، وعن الميسر، لما فيه من الظلم"(١) والإسلام هو العدل المطلق في كل الاعتبارات والأحوال {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة: ٨] ، ولذلك أمر بتحقيق العدالة حتى مع المرابين:{لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}[البقرة: ٢٧٩] فكيف لا يطبق هذا المبدأ على الدائنين؟