ومن الجدير بالتنبيه عليه أن هذه المشاكل جاءت إثر تقرير نظام ورقي ليس لنا –نحن المسلمين- دور في إنشائه، ولا في تطويره وما ترتب عليه من تضخم، حيث ولد هذا النظم الورقي في أحضان الغرب والنظام الرأسمالي، وكانت ولادته بحيلة قانونية –كما نشرحها- ومن هنا فلا بد ألا ننظر إليه نظرة تقديس، بحيث لا يمكن أن يمسها تغيير أو تبديل، أو نعتبره الذي لا يمكن تغييره، أو الاجتهاد فيه، فقد رأينا الاقتراح الأمريكي القائم على ربط الدولار بالذهب مرة أخرى، بعد أن ألغى هذا الربط نتيجة الضغوط الاقتصادية، ولو كان لأمريكا غطاء فعلي من الذهب، لقبله المؤتمرون.
ومن جانب آخر إن الدول الغربية الكبرى تستطيع من خلال ربط نقود كثير من الدول بنقودها أن تتحكم حسب ما يحقق مصالحهم، فأمريكا تستطيع من خلال نقدها، الذي ارتبطت به كثير من نقود العالم والمعاملات الدولية، أن تضرب مصالح كثير من الدول من خلال تخفيض سعر الدولار، كما حصل بالنسبة لليابان، حيث قامت بعدة إجراءات أدت إلى خفض سعر الدولار، وبالتالي ارتفع سعر الين الياباني، وترتب على ذلك ارتفاع أسعار المنتجات اليابانية وخفض أسعار المنتجات الأمريكية، أو ثباتها، وبالتالي إقبال الناس عليها، كما نراه الآن، حيث أقبل الناس على شراء السيارات الأمريكية بدلاً من السيارات اليابانية، وأيضاً يمكن للغرب التحكم في عدم الفاعلية في كثير من المساعدات التي تقدم إلى الدول الفقيرة، حيث إن التضخم يقلل من فاعليتها، فلو كانت نقود الدول مرتبطة بالذهب والفضة فهل كان بإمكان أية دولة أن تتحكم بهذه الصورة في مصير الشعوب والأفراد؟ وهل كانت الحروب تؤثر في دخول الأفراد وأموالهم التي جمعوها بعرق الجبين ثم تصبح بين عشية وضحاها شيئاً لا قيمة له؟
وسنتكلم في هذا البحث عن تعريف النقود، والسياسة النقدية في الإسلام بإيجاز، ثم عن نبذة تاريخية عنها، وكيفية ظهور العملات الورقية، والأساس الذي اعتمدت عليه، وعلاقتها بالذهب والفضة، ثم تناول فيه أحكام الذهب والفضة، وأحكام الفلوس، إذا كانت رائجة، أو كاسدة، أو ملغية، ثم نثير موضوع القيميات والمثليات في الفقه الإسلامي، والمعايير التي وضعها الفقهاء لهما، ثم مدى تطبيقها على النقود الورقية، ثم نصل إلى خلاصة البحث والرأي الذي يرجحه الدليل وتأثيره الفقهي، والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم، ومتى نلجأ إليه؟ وزمن التقويم ومكانه، وما يدور في هذا الفلك بإذن الله تعالى.