ما حدث للمارك الألماني بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث انهارت قيمته وأصبحت عشرات الآلاف منه لا يشترى بها إلا رغيف واحد، فلو أخذ شخص من آخر آنذاك ديناً قدره عشرة آلاف مارك، ليشترى بها رغيفاً أو نصف رغيف، ثم مضت السنون، وارتفع المارك الألماني –كما في وقتنا الحاضر- وطالب الدائن بالاسترداد فكم يرد؟ هل يرد المبلغ السابق رعاية للمثل أم تلاحظ فيه قيمته الشرائية في وقته؟ فالمبلغ السابق اشترى به المدين في وقته نصف رغيف، أما الآن فهو يساوي حوالي (٥٨٩٥) دولاراً أي يشتري به عدة أطنان من المواد الغذائية.
ولا يقال: إن هذين المثالين من الأمور النادرة التي تعكس قاعدة عامة، وذلك لأن أغلب العملات قد أصابها تذبذب كبيرة مثل الليرة التركية، والجنيه المصري، والدينار العراقي، والليرة السورية، والروبية، وغيرها من العملات العربية والإسلامية والأجنبية، وإن كانت بنسب متفاوتة، كما أن نسبة الهبوط، أو الارتفاع لم تصل إلى ما بلغته الليرة اللبنانية، والمارك الألماني.
ثم إن الآثار التي نجمت عنها لا تقف عند رد القروض، بل تشمل جميع الحقوق والالتزامات المؤجلة، مثل الإيجارات، والرواتب، والمهور، وبدل الطلاق (الخلع) وغير ذلك.
وبالنسبة لكثير من الدول الغربية –مصدر نشأة النقود الورقية- تفادوا كثيراً من مشاكلها على مستوى الإجارات، والرواتب، حيث إنها تلاحظ نسبة التضخم، وتراعى القوة الشرائية للعملة، ووضعت بعضها سلة للسلع يقيسون بها القوة الشرائية للنقود، كما أن النظام الغربي الرأسمالي قائم على الفوائد الربوية التي تغطي – في نظره غالباً- تذبذب النقود واضطراب أسعارها، في حين أن نظامنا الإسلامي لا يسمح بذلك قطعاً.
وفي الواقع قد بلغت هذه المشكلة ذروتها وترتبت عليها نتائج خطيرة، أدت إلى إعادة النظر في كثير من المسائل المتعلقة بنظام النقد العالمي، لذلك أولاها الاقتصاديون العالميون عناية بالغة، وأدركوا سلبيات نظام الورق النقدي، وما ترتب عليه من صعوبات جمة، ومشاكل خطيرة وقعت في حبائلها الدول والأفراد، فقد عقدت، لأجل وضع الحلول لها، مؤتمرات دولية على مستوى المتخصصين، ورؤساء الدول، والتي كان آخرها مؤتمر صندوق النقد الدولي في شهر سبتمبر ١٩٨٧ الذي كان المندوب الأمريكي قد اقترح فيه ربط الدولار بالذهب، بأن يوافق المؤتمر على أن يكتب عليه أن الدولار يساوي كذا من الذهب، وحينئذ يرتبط الدولار بالذهب، ويستقر سعره ولكن دون أن تضع أمريكا في مقابله غطاءً حقيقيًّا من الذهب، ولذلك تصدى له المندوب البلجيكي وسفه رأيه، واعتبر ذلك غنماً دون أن يكون عليه غرم، ومعنى ذلك لو قدمت أمريكا غطاءً فعليًّا من الذهب، لرضي به المؤتمرون، كما أنه بجانب ذلك هناك اقتصاديون غربيون يعدون بكل ما لديهم من قوة، إلى إعادة الغطاء الذهبي، لكن صوته خافت نتيجة التعتيم الإعلامي.