للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى الرغم من كل هذه الآثار الخطيرة التي ترتبت على العملات الورقية، فإنها لم تفقد بعد قيمتها الاقتصادية وأهميتها في عالم الاقتصاد، فلا تزال شريانه العام الذي يتأثر به جميع فروع التعامل المحلي والعالمي، وتتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الاستقرار المالي، أو زعزعته وعدم استقراره.

والذي عقدنا العزم على بحثه هنا ليس إثارة الشك في نقدية هذه العملات الورقية؛ لأن العرف على ذلك قائم، ولا في إيجاب الزكاة فيها؛ لأنها مال (١) ولا في الربا، حيث إن الربا فيها ثابت، وإنما لبحث ما يترتب على تذبذب أسعار النقود من آثار في الحقوق والالتزامات.

فهل هي مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام أم أنها تختلف عنهما في بعض الأحكام؟ –أي تؤدي بعض وظائف النقود دون بعض- وبعبارة أخرى هل هي مثلية حتى يكون الرد فيها بالمثل دون النظر إلى قيمتها أم أنها قيمية يلاحظ فيها القيمة، ولكن مع وضع معايير لها حتى لا تضطرب الأحوال؟

لا شك في أن النتيجة على كلا الافتراضين لا تخلو من مخاطر، وذلك لأن القول بمثليتها مطلقاً تترتب عليه مشاكل تعتبر –في نظرنا- مظالم يجب الابتعاد عنها، وكذلك القول بقيميتها يؤدي إلى خلخلة النظام النقدي وتذبذبه بشكل خطير، وينتج عنه عدم وجود النقد في عالمنا المعاصر، ولكن هل بالإمكان الوصول إلى حل وسط يحفظ للنقد الورقي نقديته، ويلاحظ فيه قيمته على ضوء معايير مرنة لها ضوابطها وشروطها- كما سيأتي؟

حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً نضرب هنا مثالين لهذا التذبذب الخطير في أسعار العملات الورقية.

المثال الأول:

أقرض شخص عام ١٩٧٠م مبلغاً قدره مائة ألف ليرة لبنانية لآخر يريد الآن (أي في أكتوبر ١٩٨٧) ردها. فما الواجب عليه؟ هل نقول بالمثلية ونقف عند الشك ويكون جوابنا بوجوب رد المبلغ المذكور بالليرة اللبنانية نفسها، أم نقول: نلاحظ القيمة والقوة الشرائية لهذا النقد في وقت القبض، حيث كان المبلغ السابق في وقته يشترى به منزل محترم، أو مطابع، أو عشرات الأطنان من الغذاء، أو عدة آلاف من الذهب، وكان يساوي حوالي خمسين ألف دولار أمريكي، حيث كانت الليرة الواجدة تساوي نصف دولار أمريكي تقريباً، أما الآن فالدولار الواحد يساوي حوالي (٤٠٠ ليرة) (٢) فعلى ضوء ذلك فمائة ألف ليرة تساوي الآن (٢٥٠) دولاراً فقط، فعلى ضوء ذلك فالدائن لم يسترد في مقابل مبلغه الكبير إلا هذا المبلغ الضئيل، الذي لا يساوي أكثر من أن يطعم به عدد محدود من الناس، ولا يشترى به إلا حوالي ستة عشر جراماً من الذهب الخالص، بل إن الصحف نشرت أن بعض اللبنانيين زينوا بيوتهم بهذه العملات الورقية؛ لأنها أرخص حتى من الورق العادي نفسه.


(١) يراجع: فقه الزكاة لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي (١/٢٧١-٢٨١) .
(٢) كان ذلك في أكتوبر ١٩٨٧، ربما بعد أن بلغت قيمته (٥٠٠) ليرة لبنانية ويكون مبلغ مائة ألف ليرة الآن يساوي (٢٠٠) دولار فقط بل وصلت أخيراً إلى ١٠٠٠ ليرة فحينئذ يساوي مائة دولار فقط بدل ٥٠ ألف دولار سابقاً.

<<  <  ج: ص:  >  >>