للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تمهيد

لا شك في أن قضية النقود الورقية، وما يصاحبها من تذبذب في أسعارها لا تزال تشغل بال المهتمين بالقضايا الاقتصادية، حيث إن لها أثراً كبيراً على الالتزامات والحقوق.

ولذلك ارتأيت أن أبحث هذا الموضوع (١) على ضوء قواعد الفقه الإسلامي، ولا سيما قاعدتا المثلي والقيمي، وأن أقدم خلاصة هذا الموضوع على شكل بحث إلى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة التي انعقدت بالكويت في يناير ١٩٨٨، ونوقش البحث، ضمن مجموعة من البحوث المقدمة من السادة العلماء، ثم اتخذ قراراً بالأغلبية ضمنه فيه أن "العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملية ما، هي بالمثل، وليس بالقيمة" ولم يرتض بهذا القرار جماعة من الحاضرين حتى قدموا مذكرة إلى الدورة السادسة المنعقدة بجدة وكان المجمع نفسه قد اتخذ قراراً في دورته الثالثة بعمان في أكتوبر ١٩٨٦ ضمنه فيه: أن العملات الورقية نقود اعتبارية، فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا، والزكاة، والسلم وسائر أحكامهما.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية الموضوع، وحيويته، ولذلك لم يقتنع به مجموعة من أعضاء المؤتمر، فقدموا مذكرة للمجمع في دورته السادسة التي انعقدت بجدة في الفترة من ١٣-٢١ مارس ١٩٩٠ وقام المجمع فعلاً بتشكيل لجنة، فقررت إحالة هذا الموضوع إلى ندوة موسعة، يشترك فيها مجموعة من الفقهاء والاقتصاديين؛ ليصلوا إلى التوصيات المطلوبة بصدده.

وقد اكتنف العملات الورقية منذ ظهورها في أوربا اضطراب شديد وتذبذب في معظم الأوقات، ونالت قسطاً كبيراً من التقلبات: صعوداً ونزولاً، قوة وضعفاً وتضخماً وتدهوراً في قيمتها، بل انهياراً وانخفاضاً حادًّا قد يصل في بعض الأحيان إلى أن تفقد قوتها الشرائية ومعياريتها للسلع، بحيث تصبح السلع لها معياراً، كما حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية، وقد أصبحت أصابع الاتهام تمتد نحو العملات الورقية بأنها السبب الأهم في التضخم، الذي تعاني منه معظم الدول، ويؤكد ذلك أن مثل هذا التضخم والتذبذب لم يشهد مثلهما العالم حينما كانت النقود الذهبية والفضية سائدة فيه.


(١) وقد أثرت هذا البحث في ندوة بكلية الشريعة بجامعة قطر عام ١٩٨٧، وتبعها ندوة أخرى، ودارت حولهما مناقشات جادة، وقد أبدى هذه الفكرة معظم الحاضرين منهم فضيلة شيخنا الجليل الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور جمال الدين عطية، وغيرهما، كما نشر هذا البحث في مجلة المسلم المعاصر في عددها ٥١ وما بعدها

<<  <  ج: ص:  >  >>