وقد نهى القرآن الكريم عن الغش، في الكيل والميزان وبخس النقود فقال تعالى:{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}[الأعراف: ٨٥] ، وقال تعالى على لسان شعيب أيضاً:{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[هود: ٨٥] . وقد ذكر المفسرون أن المراد بالبخس هو قطع الدراهم والدنانير والإنقاص منها والغش فيها. يقول القاضي أبو بكر:"قال ابن وهب: قال مالك كانوا –أي قوم شعيب- يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين، وكسر الدنانير والدراهم ذنب عظيم؛ لأنها الواسطة في تقدير قيم الأشياء، والسبيل إلى معرفة كمية الأموال، وتنزيلها في المعاوضات حتى عبر عنها بعض العلماء بأنها القاضي بين الأموال عند اختلاف المقادير أو جهلها، وإن من حبسها ولم يصرفها، فكأنه حبس القاضي وحجبه عن الناس، والدراهم والدنانير إذا كانت صحاحاً قام معناها، وظهرت فائدتها، فإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت الفائدة فيها، فأضر ذلك بالناس، فلأجله حرم. وقد قال ابن المسيب: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، وكذلك قال زيد بن أسلم في هذه الآية، وفسرها به، ومثلها عن يحيى بن سعيد من رواية مالك عنهم كلهم".
وقد قيل في قوله تعالى:{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}[النمل: ٤٨] .
قال زيد بن أسلم:"كانوا يكسرون الدراهم والدنانير"(١) وقد شدد العلماء في عقوبة الغش في النقود، فقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه جعله من الفساد في الأرض (٢) ولذلك نرى مجيء النهي عن الإفساد في الأرض بعد قوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}[الأعراف: ٨٥] في الآيتين السابقتين، بل إن بعض العلماء ذهبوا إلى عدم قبول شهادته، قال ابن العربي:"قال أصبغ: قال عبد الرحمن بن القاسم: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر.." ثم قال القاضي: "إذا كان هذا معصية وفساداً يرد الشهادة، فإنه يعاقب من فعل ذلك"، واختلف في عقوبته على ثلاثة أقوال:
الأول:
قال مالك: يعاقبه السلطان على ذلك هكذا مطلقاً، (أي يناط الأمر في عقوبته باجتهاد الإمام، حسب الظروف والملابسات التي تحيط بكل قضية) .
(١) أحكام القرآن لابن العربي ط. دار المعرفة (ذ/١٠٦٣) . (٢) المصدر السابق نفسه