للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثالثاً: إذا دعت للعقد حاجة فإن الغرر يغتفر، وهذا أيضاً باتفاق الفقهاء.

هذه الشروط الثلاثة محل اتفاق شرط واحد وهو الذي أخذته من مذهب المالكية وعلى هذا الأساس سأطبق الحكم في عقد التوريد هذا. قلت: إن الغرر هنا يدخل في جزئيتين واللتين هما بيع ما ليس عندك، فما هو بيع ما ليس عندك؟ والواقع أن الفقهاء اختلفوا اختلافاً واسعاً في تفسير هذا الحديث. فورد النهي كما نعلم جميعاً – بيع ما ليس في عندك – في حديث حكيم ابن حزام وحديث عمرو بن شعيب، وقد حمل الفقهاء هذا الحديث أكثر من معنى، فاستدل به بعضهم على عدم جواز بيع المعدوم، واستدل به آخرون على عدم جواز بيع العين الغائبة، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد به بيع شيء مباح على أن يستولي عليه فيملكه فيسلمه. وقال بعضهم: المراد به بيع الأعيان، وهذا هو رأي الشافعي. ولعل من المستحسن أن نقرأ عليكم عبارة الشافعي؛ لأنها مهمة في هذا المجال، يقول الإمام الشافعي: والسلف قد يكون بيع ما ليس عند البائع، فلما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيماً عن بيع ما ليس عنده – يريد الشافعي هنا أن يفرق بين جواز السلم والنهي عن بيع ما ليس عند البائع- وأذن في السلم استدللنا على أنه لا ينهى عن ما أمر به، وعلما أنه عندما نهى حكيماً عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضموناً عليه وذلك بيع الأعيان. هذه هي وجهة نظر الشافعي يعتبر النهي هو عن بيع الأعيان. وعلى هذا فإن بيع التوريد لا يدخل – حسب تفسير الشافعي لهذا الحديث- في بيع ما ليس عندك؛ لأنه مضمون في الذمة وليس بيع أعيان. وقال بعضهم: المراد به بيع الإنسان ما لا يملك، سواء أكان معيناً أم في الذمة. ويقول ابن القيم: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام ((لا تبع ما ليس عندك)) فيحمل على معنيين:

أحدهما: أن يبيع عيناً معينة، - وهذا رأي الشافعي – وهذا ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري.

والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا أشبه فليس عنده حسًّا ولا معنى فيكون قد باعه شيئاً لا يدري هل يحصل له أم لا.

هذا هو تفسير ابن القيم للغرر وهذا يتناول أموراً- ما زال الكلام لابن القيم – بيع عين معينة ليست عنده.

والثاني: السلم الحال- وهذا عكس رأي الشافعي – في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.

الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته، وهذا باتفاق الفقهاء. والراجح عندي أن عبارة (ما ليس عندك) تعني ما ليس مملوكاً للبائع سواء أكان معيناً أم في الذمة إذا باعه على أن يسلمه في الحال، بهذا القيد، ولا يدخل فيها المعدوم ولا المملوك الغائب ولا الأشياء المباحة، وهذا هو ما تدل عليه قصة الحديث، فقد روي أن حكيم بن حزام كان يبيع الناس أشياء لا يملكها ويأخذ الثمن منهم ثم يدخل السوق فيشتري الأشياء ويسلمها لهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تبع ما ليس عندك) هذا منقول عند البائع.

ففي رأيي أن الحديث يعني إذا حصل البيع على أن يسلم في الحال، أما إذا حصل البيع على أن يسلم المبيع بعد مدة فإنه لا يدخل في هذا النهي.

<<  <  ج: ص:  >  >>