للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:

بسم الله الرحمن الرحيم،

أهم مسألة في الموضوع هي عقد التوريد، هل يجوز أو لا يجوز؟ وعقد التوريد الذي سأتحدث عن حكمه هو ما كان فيه عقدان مؤجلان. وهذا هو الشأن فيه كما قرره الدكتور رفيق؛ لأنه إذا كان المبيع هو المؤجل والثمن مقدم فهذا عقد سلم يدخل حكمه في حكم عقد السلم، أما إذا كان العكس وهذا نادر فهو جائز؛ لأنه من قبيل تأجيل الثمن وتقديمه.

وعقد التوريد هذا يدخل في عقد الغرر، فهو عقد غرر. وعقد الغرر هو العقد المستور العاقبة. وما ذهب إليه الأخوان الفاضلان من أنه ما كان مجهول الوجود، هذا تعريف ناقص، تعريف غير جامع، وقد ذكره ابن القيم في بعض كتبه وذكر في بعض آخر تعريفا يشمل المجهول أيضاً. التعريف الذي اقتصر عليه الأخوان لا يشمل المجهول. والواقع أن عقد الغرر قد يكون الغرر فيه في صيغة العقد كالبيع المضاف، هذا عقد غرر لا شك في ذلك. وقد يكون في محل العقد في المبيع أو الثمن، هذا هو الأغلب. الجهالة في المبيع، الجهالة في الثمن، الجهالة في جنس العقد، الجهالة في النوع، كل هذه تدخل في عقود الغرر. وقد يرجع إلى غير ذلك. قد يكون في بيع العين الغائبة فهي عقد غرر خصوصاً عند الشافعية. عدم القدرة على التسليم، تدخل أيضاً في بيع الغرر. وقد حاول الدكتور رفيق أن ينفي وجود الغرر في عقد التوريد فقد ورد في بحثه: هل في المناقصة غرر؟ فبدأ حديثه وقرر أن فيه غرراً. يقول: لا شك أن البيع الذي يعجل بدلاه يدا بيد هو من أبعد البيوع عن الغرر- كلام سليم – وأن البيع الذي يعجل فيه بدل ويؤجل الآخر لا يخلو من غرر. ومن باب أولى إذا كان تأجل البدلان، يعظم الغرر. وهذا ما علل به بعضهم اشتراط تقديم الثمن، قالوا: ليخف الغرر. فالتبرير الذي ذكره الدكتور رفيق لم أجد فيه ما يقنعني يقول: إن الغرر – في آخر كلامه بعد ما – يبدو أن هؤلاء العلماء نظروا إلى البدلين فرأوا زيادة في الغرر لكنهم لم ينظروا إلى المتعاقدين. ما دام وجدنا غرراً في البدلين فالغرر موجود، هل يؤثر أو لا يؤثر؟ هذا موضوع أخر، لكن الغرر موجود. والغرر في هذا البيع يدخل في جزئيتين من جزئيات الغرر، هما: بيع ما ليس عندك وهذا من بيوع الغرر، وبيع الدين بالدين وهو أيضاً من بيوع الغرر. فعلينا أن نبحث هاتين الجزئيتين. هل يدخل عقد التوريد فيهما أو في واحد منهما، أم لا؟ وقبل أن أدخل في هذا أود أن أبين أن الغرر الذي يفسد العقد هو ما توافرت فيه أربعة شروط.

أولاً: أن يكون كثيراً.

ثانياً: أن يكون في عقد – وهذا محل اتفاق بين الفقهاء – من عقود المعاوضات وهذا الشرط استخلصته من مذهب المالكية فقط؛ لأن الجمهور يجعلون الغرر مؤثراً في عقود المعاوضات والتبرعات. والمالكية وحدهم هم الذين لا يجعلون للغرر تأثيرًا في عقود التبرعات، وقد أخذت برأيهم هذا ووضعت هذا الضابط في كتاب (الغرر) . الغرر كثير في عقد من عقود المعاوضات وفي المعقود عليه أصالة ولم تدع إلى العقد حاجة.

<<  <  ج: ص:  >  >>