المسألة الثانية: من الأمس بدأ الحديث عن إبعاد مسألة الحاجة، وأظن أن مسألة الحاجة لا يمكن إبعادها لأن الحاجة تعتبر مبدأ من المبادئ التي يتم الاستثناء على أساسها في المعاملات خاصة ويأتي تأسيساً عليها مبدأ الاستحسان في أصول الفقه. وعلماء الأصول يذكرون أيضاً في باب الرخصة أن الرخصة أنواعها هي: إباحة فعل المحرم، وإباحة ترك الواجب، وإباحة بعض العقود. فالحاجة أمر ثابت؛ لأن مبنى المعاملات في الشريعة الإسلامية على المرونة، ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نلغي دور الحاجة في بعض الحالات التي تستدعي اللجوء لهذا الدور. فهنالك حالات استثنائية كثيرة – حقيقة – تمر على الناس، ونحن الآن الوضع الذي فيه المسلمون هو وضع استثنائي؛ لأنه هو محاولة وضع تخلص من النظم غير الإسلامية والخلوص إلى نظام إسلامي. في مثل هذه الحالة يواجه الناس بعض الحالات التي تأخذ أوضاعاً استثنائية فيحتاجون كثيراً إلى استخدام مبدأ الحاجة. فاستبعاد هذه المبدأ بإطلاق أمر غير سليم هو مبدأ ثابت في باب الرخصة والعزيمة، " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى غرائمه". وهذا القسم مذكور حتى عند الشافعية والحنابلة والحنفية، كلهم يذكرونه وإن كانت تقسيماتهم مختلفة.
فخلاصة القول عندي: أن قضية الاجتهاد والتخريج في المعاملات ينبغي أن يكون النظر إليها فيه شيء من الرحابة أكثر. وأستشهد على ذلك بأنه بالأمس مثلاً في موضوع الحسابات الجارية هل هي قرض أو وديعة؟ بعض الناس لم يرضوا إطلاق وصف القرض عليها وقالوا في ذلك إن البنك غير محتاج والقرض لا يكون إلا لمحتاج. القرض هنا مسألة تكييف أتت انتهاءً ولم تكن ابتداءً، لم يقل أحد: إن الحسابات الجارية قرض ابتداءً ولكن الناس في دور التكييف وجدوا أن أنسب تكييف للحسابات الجارية أنها تكون قرضاً؛ لأن النقود تستهلك، وبناءً على استهلاكها فإنها لابد من أن تحمل عارية على أنها قرض. وهنا جاء القرض فجاء التفسير بالقرض وجاء الحمل على القرض على سبيل التكييف انتهاءً. ولم يكن ابتداءً بأي حال من الأحوال حتى يأتي الاعتراض بأن القرض لا يكون إلا للمحتاج إليه. هذا أمر لو كانت هذه المبادئ والقواعد الحاكمة للمعاملات واضحة في أذهان الباحثين لما كانت مثل هذه الاعتراضات ولما أخذت وقتاً.