وبمناسبة كلمة ابن القيم هذه، نذكر الجملة الدستورية العظيمة لأستاذه شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-:
والأصل في العقود رضا المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد.
فهذه العبارة الجليلة هي التي يجب أن تعتبر بحق دستور الفقه الإسلامي في مبدأ العقود. ويقول في ذلك الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (ابن حنبل) بعد عرضه مذهب الإمام أحمد في حرية التعاقد والشروط العقدية ما نصه:
وهكذا ترى ذلك الإمام الذي جعل آثار السلف أستاذه فتخرج عليها واهتدى بهديها انتهى في العقود في كثير من معاملات الناس إلى التوسعة بدل التضييق، والإباحة دون المنع، وبذلك قام الدليل على أن الناس الذي يزعمون أن الرجوع إلى مسالك السلف الصالح فيه تضييق على الناس لم يعرفوا حقيقة هذه الآثار وكيف سلك الصحابة السبيل، وكيف عالجوا المشاكل التي عرضت بروح الدين الذي جاء رحمة للناس ولم يجئ لإعناتهم والتضييق عليهم.
وهذه عقود تقوم عليها الأسواق العالمية اليوم قد كان في فقه أحمد متسع لها، وقد تبين أنه اهتدى في هذا بهدي السلف، رضي الله عنهم، فأرجو أن يكون من هذا الكلام ومن هذه القواعد الأساس الذي يبحث عليه في بحوث هذا المجمع. وشكراً.
الشيخ خليفة:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أشكر مقدمي البحثين – الشيخ حسن الجواهري والدكتور رفيق- على جهدهما، كما أشكر العلامة التسخيري على تلخيصه وتقديمه للبحثين، فقد كان بحق تلخيصاً لمس روح البحثين وقدم خلاصتهما مع بعض التعليقات.
وأبدأ حديثي أولاً بتناول قضية التخريج الفقهي لمسائل المعاملات في العصر الحديث. يلاحظ على التخريج الفقهي الآن أنه قائم على الأحكام المباشرة عند الفقهاء، بمعنى محاولة قياس كل مسألة جديدة ترد على آراء الفقهاء السابقين في كل الأحوال، وفي بعض الحالات قد يتنازع المسألة أكثر من حكم نتيجة شبهها بعقد آخر وهكذا. ويا حبذا لو قام المجمع بجهد يبرز فيه روح المعاملات في الشريعة الإسلامية بل ويبرز أيضاً روح المعاملات في كل مذهب من المذاهب. أو الصناعة الفقهية للمعاملات في كل مذهب من المذاهب فإن كل مذهب من المذاهب الفقهية له اتجاه، وله صناعة وله أسلوب فيما يتصل بطريقة التعامل مع قضايا المعاملات. لو كان ذلك مبسوطاً بين يدي الباحث ربما يساعد مع محاولات الإلحاق المباشر على المذاهب الفقهي. هذا لا بأس به، بل هو مطلوب أن نضم الحاضر إلى الماضي لكن لا بد من الإدراك الكلي في مقاصد المعاملات. هذا أمر لا بد أن يكون واضحاً في أذهان الباحثين لكي يساعدهم على التخريج. هذه مسألة.