للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعد ذلك –في الحقيقة- الدكتور المصري انتقل إلى موضوع التوريد، وكذلك فضيلة الشيخ الجواهري، وكلاهما نزل عقد التوريد على السلم. وهنا يقول الدكتور رفيق: ومناقصة التوريد تشبه بيع السلم من حيث ضرورة تحديد أوصاف المبيع. هذا الكلام سليم من حيث الشبه لكن فيما بعد وفي الخاتمة نزله على عقد السلم وكلاهما جعله من قبيل ... الشيخ الجواهري يقول: الدخول في المناقصة قد يكون لمن لا يمتلك السلعة وهو يكون من قبيل بيع السلم أو الاستصناع أو البيع الكلي أو الإجارة أو الاستثمار. الكلي في مقابل الشخصي. الشخصي يعني العيني الذي أمامي، هذا ما قصد به من كتب الكلي والشخصي. الشخصي: العيني، الكلي بمعناه وليس وهو موجوداً بين يديه. عقد التوريد –في الحقيقة- له مخرج واسع عند المالكية فهو من قبيل بيع الصفة، وبيع الصفة يشترط المالكية ألا يقدم الثمن، كما أن البضاعة مؤجلة فيجب أن يؤجل الثمن. فعقد التوريد لا إشكال فيه ولا ينزل أو يحاول أن يخضع على أي بيع وإنما هو ما يسميه المالكية بيع الصفة.

المآخذ التي تؤخذ على بيع التوريد، بيع الكالئ بالكالئ، هذا حديث. الواقع الدكتور وفق كل التوفيق في شرع معنى هذا الحديث، قال: بيع الكالئ هو دين بدين، هنا لا يوجد دين، هنا شراء سلعة وثمن. فهو قال: هنا مبادلة سلعة بنقد أو خدمة بنقد. فإذن لا يدخل عقد التوريد.... ليس علي دين وعلى الآخر دين فأنا أقاضيك الدين بالدين أي بدين آخر. إذ وفق في هذا التحليل للحديث وهو الذي ذهب إليه ملا علي قاري وبعض علماء الحديث إلا أنه في صفحة أخرى يقول: نخلص من هذا إلى أن حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ لا يقف حائلا دون جواز مناقصات التوريد والمقاولة. حبذا لو جعل تفسيره للحديث تكأته على هذا الموضوع، ولكن قال بعد ذلك: التي عمت بها البلوى في القوانين والأعراف، ولا بديل لها أفضل منها حتى الآن، وصارت الحاجة إليها عامة، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. وإذا بدا أن فيها مخالفة لبعض القواعد، فإن فيها- والله أعلم - مصلحة يجب تحصيلها ولو خولفت فيها القواعد- أي استحسانا- كما ذكر بعض العلماء المحققين.

أظن لا حاجة لهذا الكلام أبدا ما دام أنك فسرت الحديث بأنه لا يوجد هنا بيع دين بدين، وإنما هنا عملية عقد على سلعة فكأنك تراجعت عن معنى الحديث السابق، وجعلت تكأتك أو تعليلك أو تبريرك لهذا الموضوع بهذه المبررات التي في نظري لا داعي لها أساسا.

بعد ذلك في صفحة أخرى من بحثه قال: جاء في حديث (بيع ما ليس عندك) . الواقع أن تفسير هذا لم يكن واضحا في كلامه، بينما بعض المحدثين وفي مقدمتهم ملا علي قاري والشيخ ابن القيم، فسروا (ما ليس عندك) أي ما لا تقدر على تحصيله، وقالوا: ما ليس عندك، كما ذكر الشيخ الجواهري وهو في ذلك يتفق مع رأي ملا علي قاري والشيخ ابن القيم بأنه ما لم يكن موجودا، ما ليس عندك، إذا كان موجودا أو كان شخصيًّا - كما عبر عنه الشيخ الجواهري حتى تتضح معنى هذه الكلمة- إذا كان عينيا موجودا ولا تملكه، هذا الذي يحظره الحديث، ولكن معنى الحديث بكامله: ما ليس عندك أي ما لا تقدر على تحصيله، والمستورد الذي أبرم عقد التوريد هو لا يبرم هذا العقد إلا بعد أن يكون متأكدا وواثقا بأنه سيحصل على تلك البضاعة. فالاعتراضان وهما حديث (الكالئ بالكالئ) و (ما ليس عندك) وجد لهما تفسيران صحيحان، وعندئذ لا غبار على بيع عقد التوريد على مقتضى أو على صريح مذهب المالكية في بيع الصفة بالصفة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الرئيس:

توضيحاً لكلمة ابن القيم يا شيخ عبد الوهاب، كلمة ابن القيم يقول هي عندية الحكم والتمكن لا عندية الحس والمشاهدة.

الدكتور علي داود الجفال:

بسم الله الرحمن الرحيم،

سيدي الرئيس، اسمحوا لي بأن هذه الملاحظة لا تمس بحث المناقصة بشكل خاص ولكن الحقيقة بأنها تمس جميع البحوث –في اعتقادي- التي تم بحثها وسيتم بحثها في هذا المجمع. وهذه الكلمة القيمة في كتاب (إعلام الموقعين) لابن القيم فإن له في هذا المقام كلاماً نفيساً يعد من مفاخر الأنظار الفقهية، فإنه بعد أن استعرض في كتابه (إعلام الموقعين) بعض نصوص الشريعة وآثار السنة المروية في قاعدة الشروط والروايات الثابتة عن الإمام أحمد في تعليق العقود وتقييدها بشروط يقول ما نصه:

والمقصود أن للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء، فإن بعضهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله. فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل، فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص وفيه قضيتان كليتان، أحدهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائناً ما كان. الثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز بذله وتركه بدون اشتراط فهو لازم بالشرط. ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء، وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله، واتفاق الصحابة. ولا تعبأ بالنقد بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع.

<<  <  ج: ص:  >  >>