بكل هذه النصوص الواضحة كان الإسلام حاسماً كل الحسم في محاربة الخمر وإبعاد المسلم عنها، فلم يفتح أي منفذ –وإن ضاق وصغر- لتناولها أو ملابستها.
أما بخصوص استعمالها كدواء، فالناظر في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم يجد التصريح بأن الخمر ليست بدواء، بل إن الأمر جاوزه إلى التصريح بأنها داء، إذن يحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وقد أثبتت الأبحاث والتحاليل الطبية العالمية أخيراً أن من الخطأ اتخاذ الخمر دواء لأي مرض من الأمراض، ولا عجب أن يحرم الإسلام التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات؛ فإن تحريم الشيء كما قال الإمام ابن القيم (١) يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابساته، وهذا ضد مقصود الشارع.
وقال أيضاً: فإن في إباحة التداوي به – ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، وبخاصة إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ومزيل لأسقامها، جالب لشفائها.
إذن فحرمة التداوي بالخمر هو الحق، وهو الصواب، وهو الرأي الذي أميل إليه.
ومع هذا فإن للضرورة حكمها في نظر الشريعة الإسلامية، فإن الإسلام الحنيف قد بنى تشريعه كله على اليسر والرحمة، ولم يقصد بتكاليفه –على وجه عام- عنتاً ولا إرهاقاً ولا مشقة:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة: ٢٨٦] .
ومن ذلك رخص لمن أكره بالكفر، أن ينطق بكلمته وقلبه مطمئن بالإيمان. ورخص لمن أشرف على الهلاك أو خاف الضرر بجوع أو عطش أن يأكل ويشرب مما حرم الله بقدر ما يحفظ عليه حياته، أو يدفع عنه ضرره.
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٤/ ١٥٤ لابن القيم الجوزية، هذا وقد أفاض العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه القيم (زاد المعاد في هدي خير العباد ٤/ ١٥٤ وما بعدها) طبع مؤسسة الرسالة في بيروت سنة ١٩٨٢ م في فصل خاص في هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات، واستوعب الكلام في بدلائه، فمن أراد المزيد من الاطلاع فليرجع إليه